awhad.in

البِدَاء

بقلم الشيخ عبد المنعم العمران

البداء واللغة:

البداء ظهور الرأي بعد أن لم يكن، واستصواب شيء بعد أن لم يعلم.

ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء، أي ظهر لي فيه رأي آخر (1).

لا إشكال في عدم جواز إطلاق هذا المعنى على الله تعالى، لأنه تعالى عالم بكل شيء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (2).

وقال الإمام الصادق عليه السلام: (إن الله لم يبد له من جهل) (3).

وعن منصور بن حازم، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟.

قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله.

قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟.

قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق) (4).

(1) المعجم الوسيط: ١ / ٤٥.

(2) سورة العنكبوت: ٦٢.

(3) الكافي: ١ / ١٩٨، ك التوحيد، ب البداء / ١٠.

(4) الكافي: ١ / ١٩٩، ك التوحيد، ب البداء / ١١. التوحيد: ٣٣٤، ب البداء / ٨.

البداء والإمامية:

اتضح مما سبق أن المعنى اللغوي لا يصح على الله تعالى، فما هو المعنى الذي تقوله الإمامية؟.

البداء في اصطلاح الإمامية: هو إظهار ما خفي على الناس (1).

على هذا التعريف يكون إطلاقه على الله سبحانه وتعالى من باب المجاز، لأن الخفاء لم يكن على الله تعالى، بل الخفاء على الناس.

وهذا التجوز مما له نظائر في القرآن الكريم، منها:

  • قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (2).
  • قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ (3).
  • قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (4).
  • قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ (5).
  • قوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (6).
  • قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (7).
  • قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (8).
  • قوله تعالى: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (9).

إذا نظرنا إلى هذه الآيات الشريفة نرى أن ظاهرها مخالف للعقائد الإسلامية، لأنها تدل على أنه تعالى لم يكن يعلم ثم علم، وأنه تعالى نسي، و…، وغيرها من الصفات التي تطلق عليه مجازاً.

(1) نور الأنوار: ٨. وانظر: ٣٧، من هذا الكتاب.

(2) سورة محمد: ٣١.

(3) سورة البقرة: ١٤٣.

(4) سورة التوبة: ٦٧.

(5) سورة الأعراف: ٥١.

(6) سورة التوبة: ٧٩.

(7) سورة آل عمران: ٥٤.

(8) سورة البقرة: ١٥.

(9) سورة المجادلة: ١٤.

البداء والأدلة:

الأدلة على وقوع البداء كثيرة، منها:

أ – البداء والقرآن الكريم:

لقد تحدث القرآن عن معنى البداء دون لفظه في موارد كثيرة، منها:

  • قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (1).
  • قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (2).
  • قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (3).
  • قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (4).
  • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (5).
  • قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (6).

(1) سورة الأنبياء: ٨٣ – ٨٤.

(2) سورة الأنبياء: ٨٧ – ٨٨.

(3) سورة الأنبياء: ٨٩ – ٩٠.

(4) سورة البقرة: ٢٥٩.

(5) سورة الصافات: ١٣٩ – ١٤٥.

(6) سورة يونس: ٩٨.

ب – البداء والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن ثلاثة في بني إسرائيل – أبرص وأقرع وأعمى – بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً…) (1).
  • قال صلى الله عليه وآله: (يجمع الله عز وجل الأمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا لله عز وجل أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحمونهم النار…) (2).

(1) صحيح البخاري: م ٢ / ٦٣٦، ك الأنبياء، ب ٩٤٧، حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

(2) مسند أحمد: ٤ / ٤٠٧، مسند أبي موسى الأشعري.

ج – البداء والأئمة عليهم السلام:

  • قال الإمام الصادق عليه السلام: (إن الله لم يبد له من جهل) (1).
  • قال الإمام الصادق عليه السلام: (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) (2).

(1) الكافي: ١ / ١٩٨، ك التوحيد، ب البداء / ١٠.

(2) الكافي: ١ / ١٩٨، ك التوحيد، ب البداء / ٩.

د – البداء والعلماء:

  • قال الشيخ المفيد: (فالمعنى في قول الإمامية: بدا لله في كذا، أي ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه أي منه، وليس المراد منه تعقب الرأي، ووضوح أمر خفي عنه…).

وقد قال بعض أصحابنا: (إن لفظ البداء أطلق في أصل اللغة على تعقب الرأي، والانتقال من عزيمة إلى عزيمة، وإنما أطلق الله تعالى على وجه الاستعارة، كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازاً غير حقيقة…) (1).

  • قال الشيخ الصدوق: (ليس البداء كما يظنه جهال الناس بأنه بداء ندامة – تعالى الله عن ذلك – ولكن يجب علينا أن نقر لله عز وجل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى، وذلك مثل نسخ الشرائع وتحويل القبلة…

فمن أقر لله عز وجل بأن له يفعل ما يشاء و… ويقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، ويأمر بما يشاء كيف شاء فقد أقر بالبداء، وما عظم الله عز وجل بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق والأمر والتقديم والتأخير وإثبات ما لم يكن ومحو ما قد كان…) (2).

(1) تصحيح الاعتقاد: ٥٠، ٥١.

(2) التوحيد: ٣٣٥، البداء.

  • قال الشيخ الأوحد الأحسائي: (واعلم أن البداء المسؤول عنه هو انقضاء مدة وجود الممحو، وابتداء مدة وجود المثبت، فالمحو إفناء الشيء ومحو ذكره من الألواح السماوية، والإثبات هو إيجاد الشيء وإثبات ذكره في الألواح السماوية.

والألواح السماوية هي نفوس الملائكة الموكلين بذلك.

مثلاً:

الملائكة الموكلون بزيد نظروا إلى بنيته وتركيبه وعرفوا أن صاحب هذا البنية يعيش عشرين سنة، وارتسم ذلك في نفوسهم – وذلك هو كتابة كون عمره عشرين سنة – فعمل صالحاً وتصدق، وصل رحمه، وأحسن عبادته، فقوي مدده من الفيض لقوة القابلية، واقتضاء الاستمداد لقوة السبب بينه وبين المبدأ الفياض وهو العمل الصالح، فنظر أولئك الملائكة إلى بنيته فوجدوها قد قويت، فلما اختبروها عرفوا أن صاحب هذه البنية يعيش خمسين سنة، فانمحت كتابة العشرين وانتقشت كتابة الخمسين…) (1).

  • قال ابن حجر العسقلاني: قوله (بدا لله) – بتخفيف الدال المهملة – أي سبق في علم الله، فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافياً، لأن ذلك محال في حق الله تعالى… وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم.

وأما البداء الذي يراد به تغير الأمر عما كان عليه فلا (2).

  • ومثله العيني (3).
  • وكذلك شهاب الدين القسطلاني (4).
  • قال ابن الأثير: وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى (بدا لله أن يبتليهم) أي قضى بذلك، وهو معنى البداء هنا (5).
  • قال السهلي: ومن أجل أن البدو هو الظهور كان البداء في وصف الباري سبحانه محال – لأنه لا يبدو له شيء كان غائباً عنه – … وقد يجوز أن يقال: بدا له أن يفعل كذا، ويكون معناه أراد، وهذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلا بإذن من صاحب الشرع، وقد صح في ذلك ما أخرجه البخاري في حديث الثلاثة – الأعمى والأقرع والأبرص – وأنه عليه السلام قال: بدا لله أن يبتليهم، فبدا هنا بمعنى أراد (6).

(1) جوامع الكلم (الرسالة القطيفية): ١ / ٣٠٧.

(2) فتح الباري: ٦ / ٦١٣، ك الأنبياء، ب ٥١ حديث أبرص و…

(3) عمدة القاري: ١٦ / ٤٨.

(4) إرشاد الساري: ٥ / ٤٢٤.

(5) النهاية: ١ / ١٠٩ (بدا).

(6) الروض الأنف: ٢ / ٨.

الخلاصة:

بعد أن تبين لنا أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله هو أول من نسب – في الإسلام – البداء لله تعالى ثم تبعته الأمة، فلا حرج ولا إشكال في إطلاقه – إطلاقاً مجازياً – عليه تعالى، لأن إطلاقنا تبعاً لإطلاقه، وتسميتنا تبعاً لتسميته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *