awhad.in

أطباء عالم الخلقة

مقالات

 

عنوان المقال:

أطباء عالم الخلقة

الكاتب: فضيلة الشيخ سعيد القريش

أطباء عالم الخلقة

كتب بقلم: مركز الأبحاث

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وقد طبع فيه حب الترقي والكمال، فلا تجد كائن من كان من سنخ البشر يحب لنفسه أن يكون ناقصاً أو ذا عيب، فصار بذلك كل انسان يسعى لأن يصل لذلك الكمال بشتى الطرق والوسائل، ولكن واقع الحال أنه اختلف مفهوم الكمال من شخص إلى آخر، و بذلك اختلفت الطرق المستعملة عند الناس للوصول لتلك الغاية.

فبعض عين مصداق الكمال بعقله القاصر أو بشهوته وهواه الغالب عليه، وبذلك اتخذ طريقاً خاطئاً فضلاً عن وصوله لغاية لا جدوى منها، فخسر دنياه وآخرته وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فقال عنه سبحانه وتعالى {وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً}.

و لكن البعض إلتفت إلى هذه الدقيقة المهمة، والتي تعتبر مفصلية في حياة كل انسان، فصار يسأل نفسه بأنه إن كانت غايتي الأكل الشرب فما الفرق بيني وبين الحيوان، وإن كانت غايتي الوجاهة والرئاسة فأين من كان قبلي لم ينفعه ذلك!، وإن كانت غايتي شيء من شهوات الدنيا وزخرفها فهذه الدنيا أمامي لم تبقي لمن سبقني شيء من ملذاتها، (أموالنا لذوي الميراث نجمعها … ودورنا لخراب الدهر نبنيها)

كيف السبيل لأن أكون انساناً بحقيقة الإنسانية !!

وبقي السؤال بأنه هل يمكن لمن أوجد هذا الخلق المحكم ودبر سير تلك العوالم والأفلاك، أن لا يخبر عن تلك الغاية؟ أم أنه لم يعين لخلقه الطريق السوي والمستقيم للوصول إليها ! {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً} 

فبدأ هذا الملتفت بالنظر إلى من بعثهم هذا المدبر الحكيم، ليعلم منهم جواب مسألته، فوجد أن أفضللهم وأكملهم على الإطلاق يصدع في الناس قائلاً (إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق) ومن جهة أخرى نظر إلى الذي بعثه فوجده يمتدحه بقوله {وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

بعد هذه المقدمة، إعلم أن الإنسان منذ دخوله في عالم الدنيا فهو مريض مبتلى، ومحتاج بطبعه على الدوام إلى طبيب حاذق يشخص له مرضه، فيجنبه ما يؤذيه ويصرف له الدواء المناسب لعلاجه، وقد علمت أن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم هم معلموا عالم الخلقة، وكما قال أمير المؤمنين (ع) في رسول الله (ص) بأنه (طبيب دوار بطبه)، فإنهم لم يبقوا شاردة ولا واردة إلا قد حدثوا عنها وتكلموا فيها، فقد تعرضوا سلام الله عليهم في أحاديثهم الشريفة إلى أدق التفاصيل التي يجب على المؤمن أن يتحلى بها، وبينوها بأوضح وأجلى بيان، فجنبوك ما يؤذيك وحذروك مما يرديك، وقد أعطوك من العلاج ما يكفيك، فما عليك إلا الإلتزام بما قالوا وتطبيق ما أرشدوك إليه، فإن الدواء إذا لم يداوم عليه المريض لم ينفعه.

فمن جملة ما نهوك عنه هو أخذ العلوم من غير طريقهم، كما جاء عن أمير المؤمنين (ع) في قوله لكميل بن زياد: (يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا) وقوله (ع): (ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض، و ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربها، لا نفاد لها و لا انقطاع)، فإياك والنظر إلى علوم غيرهم، فيكون حالك كمن ترك الطيبات وكان ادامه القاذورات، فإنها سم يسري إلى باطنك فيفسده.

ومما حذروك منه أشد التحذير هي نفسك الأمارة بالسوء، والتي تعد على الإنسان أعدى عدوه، فتوقعه في العجب تارة وبالكبر والغرور تارة أخرى، فتقبح له الجميل وتجمل له القبيح، وبالنهاية تفتك بصاحبها وتردي به إلى الهلكة التي لا منجاة منها، فكان لابد على الانسان أن يكون منتبه إليها على الدوام ولا يغفل عنها طرفة عين، لأنها متلونة وخبيثة وتظهر له بصور متغايره في كل حين، فهذا هو التاريخ أمامنا قد حدثنا عن أمثلة كثيرة ممن وقعوا في محذورها وشربوا من كأس نجاستها وتغذوا من عذرات أرجاسها، حتى صار حالهم كحال الحيوان الجلال لا يطهر إلا بحرقه بالنار حتى يكون رمادا، فالحذر كل الحذر منها.

وإن كنت قد ابتليت بشيء منها فاعمل بالدواء الذي أخبر عنه إمامنا الصادق (ع): (مَا عُبِدَ اَللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ اَلصَّمْتِ)، والصمت هنا ليس المراد منه السكوت، وإنما المراد به كف اللسان وكافة الجوارح عما سوى مرضاة الله، وهو المعبر عنه بحقيقة الصوم، أي الإمتناع عن كل ما لا يرضي المحبوب، فاشدد عزيمتك على تطهير هذا القلب الذي هو محله لأنه تعالى {ما جَعَلَ اللَّـهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}، فإن كنت صادقاً في حبك، فدليل الحب إيثار المحبوب على ما سواه، كما قال امامنا الصادق (ع): (إِذَا هَاجَ رِيحُ اَلْمَحَبَّةِ اِسْتَأْنَسَ ظِلاَلَ اَلْمَحْبُوبِ وَ آثَرَ اَلْمَحْبُوبَ عَلَى مَا سِوَاهُ وَ بَاشَرَ أَوَامِرَهُ وَ اِجْتَنَبَ نَوَاهِيَهُ وَ اِخْتَارَهُمَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِهِمَا)، واحذر من أن تكون ممن استمع القول ولم يتبع أحسنه، فتكون مدعي للحب وأنت مخالف لإرادة المحبوب، ونعم ما قيل:
تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ
هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ
إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ
في كُلِّ يَومٍ يَبتَديكَ بِنِعمَةٍ
مِنهُ وَأَنتَ لِشُكرِ ذاكَ مُضيعُ

وبالختام نسأل من الله العلي القدير أن يوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه، وأن يقوي جوارحنا على خدمته وطاعته وأن يهب لنا الجد في خشيته ودوام الإتصال بمحبته، بحق من اصطفاهم ملوكاً لحفظ النظام واختارهم رؤساء لجميع الأنام السادة الأئمة الكرام محمد وآله الطيبين العظام

 

المصدر :

مركز الإحقاقي الثقافي

المصدر: موقع الشيخ العشوان – مقاله للشيخ القريشي حفظهم الله

إعداد: عبدالله علي العشوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *