awhad.in

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي

مقالات

بقلم:الشيخ سعيد محمد القريشي

في العام ١١٦٦ هـ أضاءت شمعة محمدية طاهرة، فولدت بقعة ضوء في بيت هجري مطيرفي، وأخذت هذه البقعة تكبر كل يوم حتى صارت إشعاعاً كبيراً هائلاً لا تسعه هجر، ربما لضيق المكان، أو لضيق القلوب، فقذفت بنفسها للعراق فتلقتها أنوار مثلها فكرمتها وألبستها حلل الفخر والعرفان، وسمحت لها بنشر ضوئها في كل مكان لفائدة نورها، فعرفت بأنها الشيخ الأحسائي، فأضاء المظلم وزاد المضيء إضاءة. وها نحن نسجل شيئاً من أعمال ذلك الإشعاع.

ماذا صنع الأحسائي بالفلسفة؟ هذا سؤال وجيه لأي باحث مراقب للحركة الفلسفية الإسلامية. والحقيقة أن الأحسائي غير الخارطة الفلسفية تماماً حيث انتقدها من الأعلى ومن الأسفل ومن الوسط، بل خضها خضاً حقيقاً، وكان من الأولى أن تسمى كتبه فعلاً «مقاتل الفلاسفة». ماذا صنع هذا الفتى الهجري وهو لا يملك سوى قلمه وقرطاسه بكل هذه الجيوش الفلسفية ؟!! لقد قارعها فكرياً قراع الحجة بالحجة، ورغم أن كل الطرق افترقت إلا أنها تلاقت عند نقطة الفكر الإسلامي، فصار كل يدعيه لنفسه، أي: كل يقول أنا الإسلام وفكري هو القرآن.

(*) كاتب من السعودية.

الساحل الثقافي – 75

[صفحة 76]

لكن ما هو المعيار؟ هل العقل المحض؟ أم القرآن والعقل، أم هناك أشياء أخرى تدخل في المعيارية الحكمية؟ إن الجدل الواسع حول المعيارية الفلسفية حول الفلسفة إلى أبحر بلا شواطئ الربان الذي يبحر فيها قد لا يصل إلى مقصد أو وطن؛ لهذا الأحسائي في باكورة بحوثه ركز شديداً على التفريق بين الفلسفة البحثية المذمومة التي بلا منهج واضح وبين الحكمة القرآنية التي مشربها واضح صريح من باب قطف الثمرة الأكيدة من الشجرة القرآنية، ورتب نتائج على هذا التفريق أهمها وضوح المنهج القرآني الصريح في الوصول للحقيقة وعرضها؛ ثم قام الأحسائي على أساس هذا التفريق الجوهري بتكسير الأيقونة الفلسفية الشهيرة (الفلسفة الأخت الرضيعة للشريعة)، وعلى أساس هذا التفريق الجوهري بين الحكمة والفلسفة عبد الأحسائي العقل للنص خلافاً للفلاسفة الذين عبدوا (النص للعقل)، باعتبار النص أعمق رؤية وأسلم من العقل البشري المتضارب في نتائجه التي يخرج فيها من تيه إلى ضياع. نعم أعطى أهمية للعقل كحاكم حين يستنير العقل بالنص الديني الثابت لديه في كشف المعضلات وحلها. وعلى هذا التفريق الأساسي أيضاً لم يعط الأحسائي أهمية للشك كمنهج، بل أعطى أهمية لليقين القرآني كمنهج وأداة في رسم الحقيقة وإبرازها بالشكل الموضوعي المقنع الذي كان يمارسه الأنبياء وتلامذتهم على مر التاريخ.

من هنا جهد الأحسائي على أساس استخدامه اليقين القرآني المحكم في تدعيم معظم الأحاديث والأدعية والخطب الواردة عن أهل العصمة (عليهم السلام) وبالتالي استخدامها في رسم الحقيقة الموضوعية القرآنية التي يطرحها. إذاً هو يمارس منهج القرائن في الدراية بشكل كبير وإن استخدم المنهج الرباعي أحياناً أو جمع بينهما؛ فالأحسائي جاء ليقول أن الدين والحقيقة شيء واحد نتاجهما الأخلاق والقانون والرؤية الكونية الشاملة، مهما حاول العقل البشري الفك بينهما لا يستطيع.

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 76

[صفحة 77]

بما أن الشيخ حدد المعيارية على قدم منهجية راسخة، وعلى هذا الأساس قام بمناقشة كل التابوهات الفلسفية بعملية عالية الجدارة تناولت كل المسائل ذات الصلة بمخالفة تلك المعيارية القرآنية العقلانية العلمية المستنيرة بهدى الوحي والفطرة المستقيمة، فكل قضية فلسفية خرجت عن جادة تلك المعيارية وإن تلبست بلبوسها استطاع الأحسائي كشفها وخلع ذلك اللباس عنها تماماً حتى غدت عارية في وضح النهار الحكمي، ومن تلك القضايا الفلسفية المارقة بنظر المعيارية القرآنية (بسيط الحقيقة كل الأشياء)، و(وحدة الوجود خصوصاً العينية وكل وحدة تلغي الاثنينية بين الخالق والمخلوق)، و(الكائنات من الله بالسنخ)، و(إنكار خلق الماهية)، و(إنكار خلق الشر) وغيرها من القضايا المارقة على تلك المعيارية القرآنية.

بعدها قرر الأحسائي وفق رؤيته الحكمية إعادة النظر في كثير من القضايا الفلسفية على ضوء القرآن والسنة بشكل يوافق الحقيقة العلمية بالمعنى الامبريقي المتاح في عصره على شرط ألا يخرج الحقيقة القرآنية عن إطارها الصحيح، وهذه البحوث ليست من باب الإعجاز القرآني العلمي على الشكل المعاصر، بل من باب استنباط الحقيقة القرآنية من خلال البحث الحكمي التراكمي وقد أفردت لهذا العلم كتاباً أسميته (علم الحكمة القرآني).

من هذه القضايا التي أعاد صياغتها بشكل كامل بحوث الوجود وتقسيماته حيث كان مفهوم الوجود مفهوماً واحداً لكل المخلوقات وكذلك الخالق ولكن له درجات أعلاه واجب الوجود وأسفله أخسه من الموجودات، وبعبارة أخرى أن مفهوم الوجود يصب في مصلحة وحدة الوجود، فجاء الشيخ وكسر هذا المفهوم وقال أن الوجود ليس واحداً، بل هناك وجودان: الأول وجود الحق والثاني وجود المخلوق، والوجود المخلوق ينقسم إلى قسمين: الأول الوجود المطلق، والثاني الوجود المقيد. وبهذا أقام الوجود وهو المسألة الأساسية في الفلسفة اليونانية والإسلامية على أساس توحيد القرآن ونظرته خلافاً للنظرة البشرية الصرفة، أي أسس نظرية ثنائية

الساحل الثقافي – 77

[صفحة 78]

الوجود بدل وحدته، وبهذا خلط الأوراق على الفلاسفة المسلمين من أساس الفكرة الفلسفية. وانطلق بعد ذلك يعيد ترتيب فروع هذه الفكرة الكبرى، فرتب بسيط الحقيقة كل الأشياء، ثم رتب مسألة الوجود الذهني ثم مسألة علم الله، وهكذا بقية المسائل حتى أعاد ترتيب كل الأفكار على أساس رؤية القرآن وبهذا شكل رؤية قرآنية حكمية كاملة كانت هي مدرسته.

من ناحية أخرى قام بتوسيع المسائل الفلسفية حيث ورث المسلمون عن اليونان مئتي مسألة فلسفية زادها الفلاسفة المسلمون كثيراً، وجاء الأحسائي وجعل من كل شيء قابلاً أن يكون مسألة حكمية قابلة للبحث والتطبيق بسبب مزجه كثيراً من العلوم التي تدخل في علاج القضية الحكمية وكلها ترجع لميزان القرآن والسنة والعقل الفطري والإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام).

لذلك قام الأحسائي باستبدال سلطة أرسطو الفكرية لعقمها وضعف وصولها للحقيقة وتضارب مستخدميها بسلطة القرآن والأحاديث المعصومية الصحيحة المستندة على الأئمة (عليهم السلام) المستندين على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المستند على الله خالق كل شيء.

وبما أن المنطق الأرسطي هو العمود الفقري للفلسفة الإسلامية وأداتها الأولى لذلك وجه الأحسائي له ضربته الأولى القاسية حيث خلع عنه القيمة العلمية الموصلة للحقيقة الجوهرية القرآنية الحكمية وخاطب الفلاسفة بصراحة أن منطقكم في حال سلامته من الخلل يوصل بجهود مضنية للحقيقة الصورية الذهنية، فإن كان ولا بد من منطقكم فابتعدوا به عن القرآن وآياته المتشابهات فلها محكمات من القرآن نفسه هي منطقها وميزانها إن صح التعبير.

وإذا عدنا بخيالنا للوراء وجدنا أن الأحسائي والفلاسفة كانوا على ميناء واحد فافترقوا تماماً لأن الأحسائي ركب سفينة القرآن والسنة، والفلاسفة ركبوا سفينة العقل المحض، فكلما أوغلوا افترقوا أكثر، ولو كانوا ركبوا سفينة واحدة لغرقت

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 78

[صفحة 79]

تلك السفينة لأنها ستحمل المتناقضين المتحاربين بكل الأسلحة المدمرة. وبما أن الخيال هو المرفأ الحقيقي الذي ينطلق منه العالم والحكيم والفيلسوف في بحار المعرفة وركوب تلك الكينونات في أمواجها العاتية، كان على الأحسائي التفريق بين خيال الحكيم وغيره من الفلاسفة والعلماء حيث أن خيال الحكيم يعود دائماً فيربط كائناته بمربط القرآن بينما يربط خيال الفيلسوف كائناته بمربط العقل الذاتي النظري الذي يختلط فيه الذاتي بالموضوعي وخلافهما خيال العالم الأمبرييقي حيث يربطها بالملاحظة والتجربة، وجلياً الفرق بين الثلاثة، وأسوأ منهما خيال الصوفي حيث يربطها بمربط وهمه الذي يعتبره حقيقة عرفانية. ولهذا كان طريقهما مختلفين وليست الطرق سوى المنهج الذي يسلكه الحكيم والفيلسوف حتى يصل غاياته المعرفية، ومن هنا كان المنهج أعلى إبداعات الأحسائي حيث ركز عليه مبكراً في بحوثه.

من ناحية أخرى، بعد أن قام الأحسائي بتحديد المنهج ركز على التفريق بين منهج أهل البيت ومنهج الصوفية بشكل واضح حيث جعل هذا التفريق مركزياً لفكره وكمعلم لا يمكن تجاوزه لقارئه. ثم قام بعد ذلك بتحديد موضوع الفلسفة، أو ذاك المجال الذي يُعمل فيه الحكيم والفيلسوف أدواتهما، فأوضح كثيراً ومراراً أن الذات الإلهية ليست موضوعاً لأدوات الحكيم خلافاً للفلاسفة والمتصوفة، ومن هنا افترقوا كما قلنا سابقاً لأن الذات الإلهية في المحكمات القرآنية لا تعرف بحال ولا تقع تحت أدوات أي عارف مهما كان نوعه حتى لو كان نبياً، والفلاسفة حيث حددوا موضوع الفلسفة (معرفة الموجود بما هو موجود) وهذا يشمل الذات الإلهية حسب اصطلاحهم، فخرقوا تلك المسلمة القرآنية المحكمة وهي عدم معرفة الذات الإلهية فدخلوا اختراق المحرمات القرآنية. ومن ناحية أخرى، قام الأحسائي بصياغة لغة حكمية جديدة نحتها من مفاهيم القرآن الكلية والجزئية وأكملها من لغة الروايات المعصومية كمكمل لمنهجه الحكمي القرآني.

الساحل الثقافي – 79

[صفحة 80]

لم يعتمد الأحسائي على تأريخ الفلسفة كمنبع أساسي لفلسفته وحكمته خلافاً لجل الفلاسفة الكبار الذين أوغلوا في قضم تأريخ الفلسفة واستلهامه لخلق خلايا فلسفية جديدة، والحقيقة ما هي إلا تكرارات لقضايا فلسفية وردت في كتب الفلسفة القديمة، يونانية وفارسية وصينية وهندية، من خلال إلباسها أبراداً جديدة وتغيير لغتها الفلسفية، وهذا ما وجهه بعض الفلاسفة للأحسائي نفسه، وإن كنا نحن وكذلك الأحسائي نفسه نعتقد خلاف هذا الاتهام الفلسفي. نعم الأحسائي استفاد من تأريخ الفلسفة في توجيه كثير من القضايا الفلسفية بالعودة لأصلها في النشأة حيث كان يعتقد أن المنشأ الأصلي هو الأنبياء خصوصاً إدريس (عليه السلام) لأن آدم (عليه السلام) تلقى المعرفة الحكمية من الله سبحانه كما صرح القرآن: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، ثم نقل المعرفة الحكمية إلى شيث، وشيث إلى أوصيائه من الأنبياء حتى وصلت إلى سيد الوجود محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثم إلى علي (عليه السلام)، ومن ثم إلى أولاده المعصومين (عليهم السلام)، وهم بدورهم أودعوه في تراثهم الشفهي المنقول عبر الثقات إلينا. ومن خلال هذه السلسلة المباركة حفظت الحقائق الربانية للوجود في قبال سلسلة التشويه التي نقلها الفلاسفة عبر التأريخ حتى وصلت ابن سينا بالترجمة من اليونان، ووصلت اليوم للحوزات العلمية مشوهة بأغراض الفلاسفة الكثيرة السياسية والإيديولوجية والاجتماعية وغيرها من أسباب التشويه، إذا تفطنا لذلك. أضف إلى ذلك أنه حين نقلت الدولة الأموية والعباسية الكتب الفلسفية من نصوصها الأصلية إلى العربية أوكلت ذلك لمترجمين أغلبهم غير مسلمين، وقسم منهم يهود ونصارى وحاقدون على الدين مثلهم مثل من أمرهم بالترجمة وأغراضه لتوجيه الدين حيث يشاء له أن يتجه بعيداً عن أهل العصمة (عليهم السلام)، فبعض من موّل الترجمة كان غنوصياً صرفاً لا يؤمن بالدين كما أثبت ذلك الدكتور علي سامي النشار في مقدمة كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام). وأكد كذلك هذه الفكرة بالإضافة لنشر التصوف بطرقها وأفكارها من قبل

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 80

[صفحة 81]

الخلفاء أسد حيدر في كتابه الرائع (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة). كل ذلك شكل ركاماً فلسفياً وصوفياً مُشوَّهاً ومشوّهاً للدين مليئاً بالأغراض، وهذا ما حاول الخليفة المأمون نشره من التشويه والتحدي حيث عقد المجالس الفلسفية الكثيرة واستجلب لها خيرة الفلاسفة ليناظروا الإمام الرضا (عليه السلام)، وترسيخ خط الفلاسفة على خط الأنبياء الذي يتبناه أهل العصمة (عليهم السلام)، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً مما دعاه لدس السم للإمام الرضا (عليه السلام) بعد فشل مشروعه الفكري ضد الرضا (عليه السلام)، وهذا الصراع واضح المعالم لمن تدبر جيداً في التاريخ.

أما من ناحية المنابع الأخرى للفلسفة كـ (الشك)، فالأحسائي اعتمد الشك في تأريخ الفلسفة بجدارة وما نتج عنه من صيغ فلسفية شكلت ركاماً فلسفياً عديم الجدوى في سبيل الحقيقة الوجودية، بغية الحكيم والفيلسوف في تساؤلاته المستمرة غير المؤدلجة بأغراض الفيلسوف. أما (الاندهاش) فلا شك أن الأحسائي صبه بطريقة مركزة على الكتاب التدويني والآفاقي والأنفسي حتى ملأ كأسه دهاقاً بالحقيقة القرآنية الصافية حسب بحثنا على الأقل إن لم نصادر آراء الآخرين، بل نستطيع القول أن الأحسائي كان مندهشاً في حالة مستمرة منذ أن رأى الإمام الحسن (عليه السلام) في المنام وعلمه تلك الأبيات الثمينة. أما (القلق) فلا شك أنه منبع لكل حكيم إسلامي لا يستطيع الاستقرار هادئاً أمام كل الألغاز والأحاجي المنثورة في كل مكان، كيف يمر عليها ولا تستوقفه ملياً وتجعله يتقلب في صحوه ونومه فتارة راكباً حصان الفكر الصعب، وتارة راكباً سفينة المعرفة في موج هائج حتى تصل به سفينته شاطئ الأمان اليقيني الذي يورث اليقين القرآني الذي يجعل الفارس يترجل من على صهوة فرسه المعرفي.

من ناحية أخرى كان جل الفلاسفة ينظرون للوحي على أنه عدوهم اللدود فهو النقيض الفكري لمنتجهم العقلي، فقالوا بأن الفلسفة ضد الدين والدين عدو الفلسفة وقال المؤرخ الفلسفي بول هزار: «في الواقع أن الوحي، فيما يرون يعزى إلى

الساحل الثقافي – 81

[صفحة 82]

محيط المعجزات، أو أن العقل لا يعير المعجزات أو أن الوحي يعزى إلى المحيط المافوق طبيعي، وأن العقل لا يقر إلا الحقائق الطبيعية وأن العقل عندما يختبر الوحي يجد فيه تناقضاً، وبالتالي ينبغي أن يهاجم العقل تلك الخرافات وأن يحطمها، لأنه لا إيمان إلا بما هو عقلي، وأن الإلهي نفسه يجب أن يرتد إلى العقلي» (١). وغير هذه الحقيقة ما هو سوى نفاق فلسفي يمارسه الفلاسفة تجاه الدين لأنهم في حقيقتهم يعتقدون أن الفلسفة جوهرها في فوق جوهر الدين ومن لم يصدق فليتابع نصوصهم.

كان الفلاسفة ينظرون للدين على أنه خصمهم الأول، فقالوا بأن الفلسفة ضد الدين والدين عدو الفلسفة، وحتى لما دخلت الفلسفة المجتمع الإسلامي عبر بوابة الترجمة كان الفلاسفة المسلمون يحاولون إظهار نفس الفكرة لولا خوفهم من سلطة الفقهاء الجيل بعد الجيل منهم حتى جاؤوا بفكرة شريرة فقالوا أن الفلسفة هي الأخت الرضيعة للشريعة وما كانت سوى نفاق فلسفي صريح، فقاموا على أساس هذه الفكرة بجهود جبارة للتوفيق بين الدين والفلسفة من خلال لي عنق النصوص عبر لعبة التأول المدعومة حتى الآن من الاستخبارات العالمية عبر علماء اللغة والفلسفة حتى لو كلفهم ذلك إفراغ النص القرآني من معناه تماماً، ونجحوا في تسويق هذه الفكرة طويلاً، فردها كثير من الحكماء كان أبرزهم الشيخ الأحسائي في كتابيه (شرح العرشية) و(شرح المشاعر) حيث ركز فكرة جديدة وهي أن الحكمة قائمة على الوحي الذي هو لا شك عدو الفلسفة بالأمس، بل لم يكتف بذلك بل أنكر نظرية الفيض وكسر عنفوان الفلاسفة القائلين بفكرة (الفيلسوف النبي) حيث جعلوا الفيلسوف بعقله يصل مرتبة الأنبياء في اكتشاف القواعد الكلية. وهذا الخداع الفلسفي من قبل الفلاسفة لم ينطل على الأحسائي حيث ركز فكرته على أساس متين من الأصول الموضوعية العقلائية القرآنية، وهذا ما وجه ضربة قاصمة لظهر

(١) الفكر الأوربي: بول هزار ص ٧٥.

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 82

[صفحة 83]

الفلسفة والفلاسفة المشاء والإشراق الشيعة على الخصوص المتبنين فكرة التوفيق بين الدين والفلسفة.

ومن الحري القول أن الأحسائي بفكره كان مجسداً حلم الأنبياء في إظهار تلك الحقائق الحكمية والأسرار الربانية التي علمها الله لآدم ثم نقلها لشيث (عليه السلام) إلى أن انتهت لنبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أهل العصمة الذين أظهروها في كلماتهم وأدعيتهم وخطبهم وهكذا… أما الفلاسفة فهم يفتخرون بأنهم مجسدون حلم استقلال العقل البشري عن الوحي، بل ترفعهم عليه حيث عقولهم أعلى برهاناً من الوحي، والوحي عدوهم اللدود دائماً وهذه العلاقة الندية مع الوحي من قبل عقول الفلاسفة تظهر في كلماتهم كثيراً.

كانت المهمة الفكرية الأولى للأحسائي هي إعادة الحكمة الإلهية إلى خط الأنبياء بعد أن حرفت إلى خط الفلاسفة. إذن هناك خطان: خط الأنبياء الذي ناصره الأحسائي إلى آخر حياته، وخط الفلاسفة المتكبرين على الشريعة بكونهم استطاعوا حسب زعمهم اكتشاف النظام الكلي للوجود الذي تبنى عليه المصالح والمفاسد الاجتماعية؛ لذلك تجد علم أصول الفقه الشيعي مشبعاً بالأصول الفلسفية الداخلة في عملية الاستنباط من هنا صرح الأحسائي أكثر من مرة بأنه يستطيع استنباط علم أصول جديد قائم على أصول الحكمة القرآنية وإن لم يرفض الأصول القائمة.

إن أسمى درجات الحقيقة عند الفلاسفة هو اليقين البرهاني المنطقي الجدلي الذي جعلوه فوق القرآن بينما عند الأحسائي أسمى درجات الحقيقة هو البرهان الحكمي القرآني. ولو نظرنا جيداً نجد أن الفلسفة على مر التأريخ كان هدفها خلق نظام سعادة مخالف للدين القائم نظامه على مبدأ الجنة والنار ورضا الرب، فلذلك جهدت الفلسفة عبر رجالاتها على تأسيس هذا النظام العقلي للسعادة. حتى الفلاسفة المسلمين الذين آمنوا بمبدأ الجنة والنار كنظام للسعادة حاولوا قولبته ما استطاعوا لصالح الفلسفة، فقالوا بالجنة العقلية في قبال الجنة الحسية وهذا ما عارضه

الساحل الثقافي – 83

[صفحة 84]

الأحسائي بشدة في كتابه العرشية مدعماً مبدأ الجنة والنار الحسيتين أساس الدين الإسلامي. وبالتالي أصبحت السعادة ليست مجرد ممارسة فكرة فلسفية، بل السعادة هي مطابقة الفكرة الواقع بمعونة القرآن والأحاديث الشريفة، وبما أن هذه العقيدة والحكمة الإلهية مستندة على الحق الإلهي أعطاها الأحسائي قوة محركية عليا لسلوك الإنسان المؤمن على خلاف الفلسفة وصيغها الجامدة.

لقد حول الأحسائي الفلسفة البحثية المظلمة إلى فلسفة أنوار قرآنية عالية الجودة من حيث الاستبصار الحكمي بمعنى أن العقيدة ليست محض سذاجة تنشر الدمار الاجتماعي في العالم والحروب، بل هي استبصار داخلي نتيجة رؤية القرآن والسنة. ومن ناحية أخرى، كما أسلفنا لها تأثير إيجابي على السلوك البشري بجميعه النفسي والحسي، ولنأخذ مثالاً سلبياً قضية خلق القرآن وآثارها المدمرة لأنها نقلت بصيغ فلسفية معتزلية جامدة، فعلى العكس لو نقلت قضية خلق القرآن من خلال الصيغ الحكمية القرآنية الفطرية التي مارسها أهل العصمة (عليهم السلام).

كانت الفلسفة ولا زالت ذات صيغ غير منتجة، وتنتج ذاتها باستمرار على عشرات القرون، نعم هي تلك الشجرة العجوز التي لا تثمر، لكن الأحسائي جاء وأعطى الحكمة القرآنية رحم ولادة باستمرار تزداد مسائلها في كل الاتجاهات.

لقد مارس الأحسائي قسوة نقدية بوتيرة عالية صبها على القضايا الفلسفية كان هدفها فض ذلك الغشاء الفلسفي الضبابي على المعرفة الحقة، وهذا ما حدث فعلاً حيث أحدث نقده أمواجاً ذات ارتفاع عال في سماء المعرفة ركب عليها كل السباحين الراغبين في ركوب تلك الأمواج.

والأحسائي حين عزم بجد على عملية نقدية كهذه اختار كتابين في ذروة المجد الفلسفي الصوفي في آن: المشاعر والعرشية للشيرازي وأعمل مبضعه النقدي فيهما بطريقته الواضحة والآسرة في آن، فخدر الكتاب بمسكناته الفكرية المستنبطة من القرآن، وفتح صدره وأخرج قلبه، وقومه وأعاده نابضاً يشهد أن لا إله إلا الله.

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 84

[صفحة 85]

على هذا الأساس الحكمي المتين نقول: إن كان (هيغل) أنزل الفلسفة الغربية من السماء إلى الأرض وجعلها تقف على قدميها، فالأحسائي خلق من الفلسفة الإسلامية كائناً كاملاً عنده قدرة الاختراق والتسرب لقلوب الآخرين وكتبهم ومدوناتهم ووصاياهم وسلوكهم كالشمس حين تضيء في سماء الدنيا، فتسرب ضوء فكره إلى كتب كثير من العلماء من بعده وإن كانوا في الظاهر لا يجاهرون بنصرته مثل صاحب مستدرك الوسائل، والسيد الخوئي، وميرزا مهدي الأصفهاني صاحب (أبواب الهدى) الذي تشبع بأفكار الأحسائي وإن كان تجرأ على الأحسائي وتنكر لشخصه لا لفكره، والسيد محمد الشيرازي والمدرسي صاحب كتاب (العرفان) وغيرهم كثير… وكلهم أخذوا عنه بنسب متفاوتة ولكنهم أخذوا عنه وهم ربائب كتبه وفكره فلسفياً، وعندي الأدلة على ذلك من كتبهم سأخرجها لاحقاً في كتاب إن وفقني الله.

أما الأفكار التي أخذوها عنه فهي كثيرة لا تحصى، منها على سبيل المثال في التوحيد: بطلان (وحدة الوجود) أساس الفلسفة المتعالية، وبطلان (بسيط الحقيقة كل الأشياء)، وبطلان (فيضان المخلوقات من ذات الله: نظرية الفيض الشهيرة)، وبطلان قدم الإرادة الإلهية، وبطلان (نظرية المثل الأفلاطونية، أي كون الذات الإلهية ترتسم فيها صور الأشياء على نحو كلي، وهي المعروفة بحضور الأشياء في علم الله الذاتي بنحو كلي، وفي الخارج بشكل تفصيلي)، وبطلان (الواحد لا يصدر منه سوى واحد للزومها الجبر في الذات الإلهية وإن كان لها تخريج في وجوه معينة)، وبطلان (كون العاقل والمعقول شيئاً واحداً)، وبطلان (كون الخلق من الله بالسنخ أي طبيعتنا وطبيعة الله واحدة)، وأخذوا عنه أيضاً إعادة النظر في مسألة علم الله هل هو قسمان: ذاتي وفعلي كما يقول أهل العصمة (عليهم السلام) فآمن بتقسيمه كثير منهم، وغيرها من المسائل في التوحيد. أما في مقامات أهل العصمة فحدث ولا حرج من حيث أخذهم عنه وإن كان بنسب متفاوتة، فأخذوا الإيمان بـ (الولاية التكوينية للمعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) جنباً إلى جنب مع «التشريعية»)، والإيمان بعلم أهل العصمة الحضوري بالأشياء قاطبة مما خلق الله بحسب رتبهم،

الساحل الثقافي – 85

[صفحة 86]

فأعلمهم بلا شك هو رسول الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعلي سيد الموحدين (عليه السلام)، والإيمان بطهارة دم المعصوم (عليه السلام) ومدفوعاته جميعاً بناء على آية التطهير وغيرها من الأدلة، والإيمان بكون المعصومين أنواراً متلألئة حول العرش ولهذه الأنوار خصائص مثلها مثل أي ضوء في الوجود وأكثر لأنهم أصل الأنوار كما في الزيارة الجامعة الكبيرة، فالنور هو أساس الوجود وأعلى قدرة مخلوقة فيه، وهو الطاقة العظمى التي بها يمسك الوجود وتتم الأشياء قاطبة من الأفعال الأربعة الكلية: الخلق والإماتة والإحياء والرزق، وتحت هذه الأفعال ملائكة أربعة عظام خدم لأهل العصمة (إسرافيل وميكائيل وجبرائيل وعزرائيل)، وكلها تتم بإذن الله وقدرته سبحانه وتعالى ورضاه. وعلى أساس هذه النورية الشديدة لأهل العصمة (عليهم السلام) فالنور يقطع المسافات سريعاً والمعصوم كذلك، والنور يخزن كميات مليارية من المعلومات والمعصوم كذلك، والنور طاقة عليا تحرك الأشياء وتدمرها حتى لو كانت بحجم كوكب الأرض وأكبر مليارات المرات والمعصوم كذلك، والنور يدخل في كل مكان في نفس اللحظة وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) النور الأعظم كذلك وأبناؤه، والنور يخرق الحواجز كنور الليزر المكثف، فيكشف ما خلفها والمعصوم كذلك، والنور كما في فيزياء أينشتاين يسافر في الزمن في اتجاهاته المتعاكسة والمعصوم كذلك، وغيرها من خصائص النور، وهذا مثال لخصائص أهل العصمة العليا للتقريب للقلوب المتعطشة، وخلافاً للقلوب التي تقصر في فهم تلك الخصائص حين تقيس المعصوم على أنفسها. وفي علم المعاد آمنوا معه بأن الإنسان يتكون من أصل وعرض، فالأصل يعود، والعرض لا يعود، وأنكروا معه نظرية صدر المتألهين في المعاد القائل بعود المشخصات النفسية فقط يوم القيامة دون جسد الإنسان من حيث هذا القول عين التناسخ المحذور، وإنكار للمعاد من الأصل، وغيرها من المسائل الكبيرة الكثيرة، وهذه عينة فقط من كثير.

بالرغم من المناهضة الفكرية بين الأحسائي وجل الفلاسفة إلا أن هناك فيلسوفاً واحداً أحبه الأحسائي وتناول فكره باحترام وحاول تطويره من ذاته، ذلك الفيلسوف

الفلسفة بعين الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي – 86

[صفحة 87]

المحبب هو المجلسي صاحب البحار بفطرته الصافية واحترامه الشديد لكلمات محمد وآله وتحليلاته الرائعة لمبادئ العقيدة على أصول الروايات المعصومية، وحده ذاك الشيخ المجلسي الوقور الذي حاز على قلب الأحسائي بشدة فوضع شرحه على الزيارة الجامعة ضمن كتابه شرح الزيارة والإصرار على تبجيله وإن خالفه في بعض آرائه.

أخيراً أقول: إذا أخذنا عشرة فلاسفة شيعة فالأحسائي واحد منهم، وإذا أخذنا ثلاثة فهو واحد منهم، وإذا أخذنا واحداً فسيكون حتماً هو الأحسائي عملاق الفكر الشيعي. لقد احتل الأحسائي في الجامعة الشيعية لا كرسي الفلسفة فقط، بل كرسي المعرفة العامة عن جدارة واقتدار وقد اعترف له بذلك أغلب أرباب العلم والفكر الكبار في وقته ممن أجازوه أو ترجموه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *