عنوان المقال:
حل الاشكلات الواردة على رواية الامام الصادق (ع):
(لنا مع الله حالات، نحن فيها هو، وهو نحن، إلا أنه هو هو ونحن نحن)
الكاتب: مركز الأبحاث
استوحش الكثير من هذه الرواية الواردة:
(لنا مع الله حالات نحن فيها هو، وهو نحن، إلا أنه هو هو ونحن نحن)، ونسبوها إلى أهل التصوف، وكذبوها وأنكروها أشد الانكار، وكأنهم قد نسوا قول الامام الصادق “عليه السلام”:
(لا تكذب بحديث أتاكم به مرجئي ولا قدري ولا خارجي نسبه إلينا، فإنكم لا تدرون لعله شئ من الحق فتكذبون الله عز وجل فوق عرشه).
واحتج الكثير منهم بإدعاءه عدم العثور على مصدر للرواية، وهذا الادعاء واقعاً لا يصلح شاهداً على كذبها، لأنه قد ألفت في العصور الاولى كثير من الكتب التي حملت أخبار أهل العصمة “عليهم السلام”، وقد تم اتلافها وضياعها، وان كانت تلك الكتب قد ضاعت علينا فمن القريب جداً أن يكون كثير من مضامينها قد بقي في الصدور يتناقله الناس جيلاً بعد جيل، أو أودع بنحو مرسل في بعض الكتب المتأخرة التي وصلتنا.
فإننا نقول و باختصار شديد
أن الروايات إذا نسبت لمحمد وآل محمد وتناقلها العلماء و وجِد محمل و وَجه صحيح تُحمل عليه، فإنها تحمل ولا ترد، وإن لم نفهمها فنكل علمها إلى الله ورسوله وأهل بيته ونذرها في سنبلها، وفي التوقيع الشريف الصادر عن الإمام المهدي “عجل الله فرجه”:(فإنه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه عنا ثقاتنا)(١)
ومن قبيل كلامنا عن هذه الرواية، فقد تناقلها كثير من علماء الطائفة في كتبهم، وقد أرودناهم في آخر المقال.
وكذلك وقعنا على محمل صحيح لها، وقد أيدتها روايات أخر، فلا داعي لإنكارها و تكذيبها.
أما ما يؤيدها من الروايات
فمنها ما خرج عن الناحية المقدسة: (وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ، الَّتِي لا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ، لا فَرْقَ بَيْنَكَ وبَيْنَهَا إلّا أنَّهُم عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ)
ومنها ما ورد في الحديث القدسي عن الله تعالى أنه يقول: (عبدي أطعني أجعلك مثلي، أنا حي لا أموت أجعلك حياً لا تموت، أنا غني لا افتقر أجعلك غنياً لا تفتقر، أنا مهما أشاء يكون أجعلك مهما تشاء يكون)(٢)
والمحمل الصحيح في (نحن هو، و هو نحن)
أنه لا فرق بينهم وبين الله في مقام التعريف والتعرف، والطاعة والمعصية، والمحبة والبغض، لا في الذات والعياذ بالله كما ذهبت إليه الصوفية، ولهذا المعنى أشار الامام “عليه السلام” لما قال: (إلا انه هو هو، ونحن نحن)، يعني انه “هو” في مقام ذاته و أزليته، و “نحن” في مقام عباده وخلقه.
وجدير بالذكر أن فهم المخالفين وأهل التصوف وتصريفهم للمنقولات على غير وجهها الصحيح لا يعني بطلان صدورها وحجيتها، وحتى لو وردت في كتبهم فلا يعتبر ذلك عذراً لتسقيطها لقول مولانا أبا جعفر “عليه السلام”:
(إن لنا أوعية نملؤها علما وحكما، وليست لها بأهل فما نملؤها إلا لتنقل إلى شيعتنا فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها، ثم صفوها من الكدورة، تأخذونها بيضاء نقية صافية وإياكم والأوعية فإنها وعاء فتنكبوها).
ولما كانت الدراية خيرٌ من الرواية كما ورد عن الصادق “عليه السلام”: (حديث تدريه خير من ألف ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج)
فكانت طرق التمييز للأخبار عند علمائنا الأبرار متعددة وعلى رأسها معرفتهم (لحن القول) للمعصوم، كما في الآية الشريفة {وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ }، وكذلك قول أبي عبدالله “عليه السلام”: (إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيها حتى يلحن له فيعرف اللحن)،
فإن كنت جاهلاً بكيفية التصريف والتأويل ولحن القول ومعاريض الكلام والسبعين وجهاً، فليس لك حجه على العالم بها، لقول أبي عبدالله “عليه السلام”: (أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، فلا حجّة للجاهل على العالم).
أما من نقلها من العلماء واستشهد بها فهم كثر نذكر منهم:
1- الفيض الكاشاني (ت 1091هـ): في الكلمات المكنونة، ص174 عن الإمام الصادق (ع).
2- القاضي سعيد القمي (ت 1107هـ) بلفظ: (وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (إن لنا مع الله حالات هو فيها نحن، ونحن هو، ومع ذلك هو هو ونحن نحن)) شرح الأربعين، ص213.
3- الشيخ حسين آل عصفور البحراني (ت 1216هـ): نقله عنه الشيخ الأوحد، حيث قال في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة: (ومما نقله شيخنا الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عصفور الدرازي البحراني في رسالته في جواب الشيخ عبد الله بن يحيى في سؤاله عن الروح) شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج1 ص337 (السعادة)، ج1 ص389 (العذراء) شرح فقرة: (المكرمون المقربون).
4- الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (ت1241هـ): قال أعلى الله مقامه: (وهو الذي أشار إليه الصادق عليه السلام بقوله: (لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن ونحن نحن وهو هو) وفي رواية: (إلا أنه هو هو ونحن نحن) وهذا الحديث نقله بعض العلماء في بعض كتبه) شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج1 ص337 (السعادة)، ج1 ص389 (العذراء) شرح فقرة: (المكرمون المقربون).
5- الشيخ محمد باقر الكجوري (ت 1255هـ) بلفظ : (إن لنا مع الله حالات نحن هو، وهو نحن، مع ذلك نحن نحن، وهو هو) الخصائص الفاطمية، ج2 ص236.
6- السيد كاظم الرشتي (ت 1259هـ) بلفظ: (لنا مع الله حالات، نحن فيها هو، وهو فيها نحن، وهو هو ونحن نحن) تفسير آية الكرسي، ج1 ص244.
7- ملا هادي السبزواري (ت 1289هـ) بلفظ: (لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن) شرح مثنوي، ج1 ص349.
8- المولى محمد علي بن أحمد القراجه داغي التبريزي الأنصاري (ت 1310هـ): بلفظ: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن ونحن هو، وهو هو ونحن نحن)، اللمعة البيضاء، ص28.
9- الشيخ محمد يحيى الإصفهاني (ت:1325هـ) عنون باباً كاملاً في كتابه تعيين الثقل الأكبر، ج2 ص388 بعنوان: الباب العاشر في فنائهم في الله وحياتهم بالله وبقائهم من الله، التي عبر عنها الإمام بقوله: (لنا مع الله حالات)، ونقلها في عدة مواطن من كتابه.
10- سيد حسين البروجردي (ت1340هـ) قال: (وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو نحن، وهو هو ونحن نحن) تفسير الصراط المستقيم، ج5 ص394.
11- ملا حبيب الله الشريف الكاشاني (ت 1340هـ)، في بوارق القهر في تفسير سورة الدهر، ص117.
12- ميرزا محمد تقي الاصفهاني (ت 1348هـ): (ما روي عنهم: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن، ونحن هو، وهو هو، ونحن نحن)) مكيال المكارم، ج2 ص295.
13- السيد روح الله الخميني (ت 1409هـ) بلفظ: (إن لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن) شرح دعاء السحر، ص111. وكذلك في كتابه مصباح الهداية الى الخلافة والولاية، ص96 بلفظ: (بلسان أحد الأئمة: (لنا مع الله حالات: هو هو ونحن نحن وهو نحن نحن هو)).
14- العلامة النوري في تعليقته على كتاب المجلي لابن أبي جمهور الاحسائي بلفظ: (لنا حالات مع الله نحن هو، وهو نحن، وهو هو ونحن نحن) المجلي، ج2 ص737.
15- الميرزا أحمد الاشتياني في بيست رسالة، ص306.
16- الشيخ جواد الكربلائي (ت 1432هـ) في الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة، ج3 ص269.
ـــــــــــــــــــ
(١) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، ج٢ ص٤٠٠
(٢) الجواهر السنية، ص361
المصدر :
مركز الإحقاقي الثقافي