كلمة العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب الوصيبعي في الدفاع عن آية الله المولى المقدس الميرزا موسى الحائري الإحقاقي أعلى الله مقامهم
الشيخ عبد الله الوصيبعي
المرجع الديني الكبير الفقيه المؤيد والحكيم المسدد، الجد الأمجد، المولى الحاج ميرزا موسى الإحقاقي الحائري الأسكوئي، قدس الله روحه الشريفة.
ملاحظة:
لم تُطبع هذه الكلمة في الكتاب المطبوع أخيراً حول الشيخ عبد الله الوصيبعي.
[ تمهيد ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي برأ النسمات، وكون الكائنات، وفطر الأرضين والسموات، وملأها بأصناف المخلوقات، وجعل الدنيا محل الاكتسابات، والآخرة دار المجازات، والصلاة والسلام على أشرف البريات، وأقدم الموجودات، محمد وآله السادات الهداة، ولعنة الله على أعدائهم الطغاة البغاة.
وبعد؛ فأقول أنا الحقير الفقير عبد الله بن الحاج عبد الوهاب الوصيبعي يا ذوي الإخلاص والمخلصين، ويا إخواني في الإنسانية والدين، اعلموا أن الله سبحانه لما خلق جوارحنا جعل لها رئيساً وهو القلب، ثم خلق الحواس وجعل لها سلطاناً يرشدها إلى الحق وهو العقل، فبه نعرف الغث من السمين، والسراب من الماء المعين، فوكلنا في التمييز إليه بمدد منه يستدير عليه، ثم خلق الله له ضداً يعارضه في إرشاده، وناصباً له دائماً عناده، وهو النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله، اللهم أعنا على أنفسنا بما تعين به الصالحين على أنفسهم، يا أرحم الراحمين.
فمن غلب عقله هواه فقد أسعده مولاه، ومن غلب على عقله هواه، فوا سوأة له وواويلاه.
[الميرزا موسى الحائري]
ولهذا فُرّق بين العالم وغيره، فالعالم لا يعرفه إلا عالم مثله، لا مطلقاً، بل بالتفاهم والمذاكرة، فهناك ينجلي الحق لمن أبصره.
فعصى موسى لقفت جميع ما عملته السحرة، وأما غير العالم فلا يعرفه، فمن يتكلم فيه يلقى آثاماً، يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، ويكفينا ما قاله صاحب الشريعة الغراء: (إياكم ولحوم العلماء فإنها مسمومة)، وفي فضلهم قوله صلى الله عليه وآله: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل).
فيا أيها الأخلاء الموالين، والإخوان المؤمنين، إياكم والقرب من مس التنين، واتركوا عنكم كلام المغرضين، فإنهم إخوان الشياطين، لقد كان هذا الشعب بعلمائه المليين، في أرغد عيش مطمئنين، ليس عندهم قال ولا قيل، فدار على تلك العلماء القضاء، فمنهم من انتقل في وطنه، ومنهم من جاور المرتضى، فجعل الله أرواحهم في عليين مع الأئمة الطاهرين، فشكر الله سعيهم، ونور ضرائحهم، ما قصروا عنا في حياتهم.
وقد أرشدونا بعد وفاتهم بما نطقت به أفواههم، إلى من نرجع في أمور الدين، ومن هو محتوياً على توحيد وحكمة شيخنا الأوحد الشيخ أحمد بن زين الدين، وتلميذه السيد كاظم، وتلامذته الميرزا حسن كوهر، والميرزا محمد باقر، والشيخ محمد أبي خمسين، فسلكنا ولله الحمد السبيل بهذا الدليل، فمن شذ وندر فموعده يوم المحشر.
فمن المرشد إليه منهم العالم العلامة، والحبر الفهامة، رئيس المجتهدين، ورأس المحدثين، وتاج العلماء الراسخين، سيدنا ومولانا حجة الإسلام والمسلمين، صاحب الكرامات والبراهين، حاوي علوم شيخنا الأوحد الشيخ أحمد بن زين الدين، والمنزه لتلك الأساطين، عن ما تفوه به الضالين المضلين، شيخنا وعمادنا ومن المرجع إليه في أمور ديننا الحاج آغا ميرزا موسى نجل المقدس المرحوم الآغا ميرزا محمد باقر الحائري، حرس الله شمس ذاته عن الكسوف، وقمر طلعته عن الخسوف، آمين، اللهم آمين.
فهو والله محل أن يرشد إليه، وحري أن ترجع جملة الإثنا عشرية في أحكام الديانة إليه، فهاك مصنفاته وفتاويه، وانظر إلى زهده ونسكه وما هو فيه، فهل سمعنا أو رأينا صدرت منه هفوات، أو مداهنة دنيوية تقتضي خلاف الديانات؟ حاشا ما عهدنا عليه من سوء، ولا من أبيه ولا من أنجاله وبنيه، ولقد أقر بذلك كل ذي عقل سليم حتى أعاديه.
[الإشارة للمولى الميرزا علي الحائري]
علاوة على هذا البيان أنه – روحي فداه – رضي على نفسه مع كبر سنه الوحدة في الأوطان، وتفريق أنجاله في البلدان، لترويج شريعة محمد سيد ولد عدنان، ولإظهار فضل آله الذين هم أصل الإيمان، فجزاه الله خيراً، حيث استطاع على فراق هذا البدر الطالع والنور الساطع والضياء اللامع الذي تشرفت به شعبنا، وتبارك به وطننا، وأينعت به أرضنا وصفت به أذهاننا وقرت به عقائدنا واستبشرت به رجالنا ونساؤنا، فهنيئاً لنا وطوبى لشعبنا، حيث حظي بهذا العالم الرباني، الذي ليس له في عصره ثاني، فوجب علينا أن نحمد الله على ذلك، وفوق ما هنالك.
فيا أهل ودي، ويا بني وطني، أسألكم بالله: هل سمحت العصور الماضية على أهلها بمثله؟ وهل نطقت الثغور للجمهور على المنابر بعلوم كثغره؟ انظر بعين الإنصاف إلى منابره العلية، وخطبه الجلية، وتصريحاته الراضية المرضية، كيف أجلت عن قلوبنا الشبهات، وكشفت عن أبصارنا وبصائرنا التمويهات والتدليسات، فصرنا نعرف الحق ونروغ عن الموهمين والمدلسين، الذين هم على الدين أضر من الملحدين، كلا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
نعم أيها الأخلاء، فجزى الله علماءنا الموجودين خير جزاء المحسنين، فإنهم محققين مدققين، مروجين شريعة سيد المرسلين، ولكن فضل الله المجاهدين على القاعدين لقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وأي جهاد كمجاهدته، أم أي عالم مجتهد، ترك وطنه وفارق والديه وولده طالباً بذلك إحياء الدين، وإظهار حقائق الأئمة الطاهرين، غير هذا البدر المنير، الذي هو بكل علم خبير، فالله بصير، فالله بصير، فالله بصير.
أما تراه قد ألزم نفسه هذا البيان اللطيف في كل ليلة في ذلك المحل الشريف، وقد أتت له به بشارة من شيخه الأوحد، امضوا إلى الميرزا علي بكتاب الشهادات في شرح الزيارات، فهو الذي يرفع غباره، فامتثل أمر مولاه، وجعل يحث الناس على الحضور بصوت بلغ جملة الناس صداه، قائلاً: هلموا إلى معرفة أولياء الله.
وأيضاً في كل صبح من كل يوم يحضر المدرسة مع تلامذته الطالبين، فتراهم به حافين، إخواناً على سرر متقابلين، كل منهم معانق كتابه كمعانقة الحور العين، مطلوبه – روحي فداه – إظهار علم الأوحد، راجياً بتدريسه أن يتجدد، لأن التنين قد لمحنا شهابه، وقد نهش بعض أطرافنا بنابه، فبادر روحي فداه فلوى موضع النَّهْشِ، فربطه خوفاً أن يسري السم إلى جملة البدن، فعند ذلك يعسر علاجه، ويستحيل استقامة اعوجاجه، فجزاه الله عنا وعن أهل بلادنا خير جزاء المحسنين، حيث أنقذنا من تلك المهالك، وفدانا بروحه في تلك المعارك، فليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
وحيث أن هذا اليوم أول يوم من السنة الشمسية، وهو يوم النوروز، ويسمى فروردين عند الفرس، به أدار الله الأفلاك، وسير الشمس والقمر والكواكب، قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (إنه أول يوم طلعت فيه الشمس، وهبت فيه الريح، وخلقت فيه زهرة الأرض، واستوت فيه سفينة نوح على الجودي، وأحيا الله فيه الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، ونزل فيه جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله، ويظهر فيه المهدي، ويقتل فيه الدجال، وبه يحول الله الدنيا من قرن الثور الحامل له إلى قرنه الثاني، فهو يوم عيد من حيث التجديد، وعلى كل حال فهو من مضان إجابة الدعاء).
فدعونا أيها المؤمنين نبتهل إلى الله بالدعاء، بحبيبه محمد وآله الطاهرين، أن يمد له ولوالده وولده وأخيه بطول البقاء، فادعوا وتؤمّنون:
اللهم أمدد لهم في الأعمار، اللهم اكفهم شر الأشرار، وكيد الفجار، اللهم أعلِ كلمتهم، ونفذ أمرهم، وانصرهم على من عاداهم، اللهم ألبسهم لباس العافية، واجعل عليهم منك جنة واقية باقية، اللهم لا تفجعنا فيهم، ولا في أحد من ذويهم، اللهم وفقنا لطاعتهم والتسليم لقراراتهم، والامتثال بأوامرهم، واجعل حياتهم حياة طيبة في يسر منك وعافية يا أرحم الراحمين.
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً.
تمت المقالة بقلم قائلها
أحقر العباد
عبد الله الوصيبعي