بقلم الشيخ عبد الجليل الأمير
لم يكن هناك شك في أن سيرة العلماء هي بعينها
سيرة الأنبياء عليهم السلام ، حذو القذة بالقذة ، والنعل بالنعل ، في سيرهم إلى
الله تبارك وتعالى ، ودعوتهم لعبادته ، وتنزيه المجتمع البشري ، عن براثن الشرك
والكفر ، ورذائل الأخلاق ، علماً وعملاً .
فبعض انتهج مسيرة الجهاد بالسيف ، والآخر بإلقاء
كلمة الحق عند سلطان جائر ، والآخر بالصبر والاحتباس في بيته .
ونوع اتخذ الخلق وتأسيس المؤسسات الدينية ،
نموذجاً للدعوة إلى الله تعالى ، مقتدياً بسيرة سيد الأنبياء والمرسلين محمد صلى
الله عليه وآله
.
فظهر هذا الجانب في سيرة الإمام المصلح آية الله
الميرزا حسن الإحقاقي روحي فداه وأعلى الله مقامه ، فكان – رضوان الله عليه –
عالماً عاملاً ، فقيهاً مجتهداً ، تقياً نقياً ، زاهداً عابداً ، ذاكراً شاكراً ،
أباً حنوناً ، ورحيماً عطوفاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، معرضاً عن الدنيا
وزخرفها ، مقبلاً إلى الآخرة ونعيمها ، منذ طفولته وصباه في جميع أحواله وأطواره .
لم يمل إلى الدنيا في حال ، ولم يغفل عن الآخرة ،
همه اليومي خدمة الدين ، وقضاء حوائج المؤمنين ، وإسعاف المحتاجين والملهوفين ، في
مشارق الأرض ومغاربها .
لسانه لا يفتأ عن ذكر الله تعالى ، ولم يلتفت إلى
ما سواه ، كثير الذكر ، قليل الكلام ، عالي النفس ، طيب الأخلاق ، عظمة في تواضع ،
وتواضع في عظمة
.
يصغي للصغير كما ينصت للكبير ، بشره في وجهه ،
وحزنه في قلبه ، الناس منه في راحة ، وهو في نفسه في تعب .
يحب العلم والعلماء ، يقرب المساكين والفقراء ،
يحن على الصغير ، ويساعد الكبير ، بيته مفتوح للجميع ، يجده كل من طلبه ، من صغير
وكبير، رجل وامرأة، عالم أو جاهل ، غني أو فقير .
كان – رضوان الله عليه – منذ طفولته وإدراكه
معرضاً عن الدنيا ، زاهداً فيها محباً للآخرين ، مهتماً بصقل نفسه وتربيتها ،
وتزكيتها من رذائل الأخلاق ، ومحليها بعالي الصفات وفضائلها .
حتى استحكم نفسه واقتدر عليها ، ورباها تربية
تتمشى مع القرآن الكريم ، والسنة المطهرة عليهم السلام ، حتى صارت أخلاقه – رضوان
الله عليه – أخلاق القرآن وأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فتخرج من هذه
المدرسة رجلاً ملائكياً بل إنساناً ، بما تحمل هذه الكلمة من إنسانية ، فأصبح
أستاذاً حكيماً ، وفرداً وحيداً ، في ميدان الأخلاق ، وصنع الإنسانية . حتى أنه
ألف كتاب “رسالة الإنسانية” التي تنم عن رتبته العالية ، وإنسانيته
الكاملة ، أودع في هذا الكتاب أسرار وأسرار في كشف النقاب عن الإنسان الكامل ،
الذي يترجم الحديث النبوي الشريف { أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه } (1).
(1) الاقتصاد للشيخ الطوسي ١٤.
ففي هذا الكتاب ، يضم بين دفتيه كيف يكون الإنسان
إنساناً ؟ وما هي المفهومات والمؤهلات التي تسعى بالإنسان إلى معرفته نفسه ؟ التي
من عرفها فقد عرف ربه وخالقه .
لذا روي عنه – رضوان الله عليه – أنه لم يصل
فريضة قط في غير وقت فضيلتها ، بصرف النظر عن وقتها الشرعي الممتد إلى آخر الوقت ،
مثلاً صلاة الظهرين إلى قبل الغروب والعشاءين إلى منتصف الليل ، وأما القضاء
فبالطريق الأولى أنه لم يصل قضاءً قط .
وإن سلوكه لم يخالف القرآن قط ، بل جميع سلوكياته
العلمية والعملية موافقة ومطابقة للقرآن .
فكل من عاشره من القريب والبعيد ، المخالف
والمؤالف ، يشهد له بعلو نفسه ، وسمو أخلاقه ، وزهده وورعه وتقواه .
اتخذ – رضوان الله عليه – من الأخلاق والمؤسسات
الدينية السنان واللسان ، في مقاومة الانحرافات الأخلاقية والشرعية والاجتماعية ،
في تهذيب النفس ، وتقويم العقيدة ، ونشر فضائل المعصومين عليهم السلام ، منذ بزوغ
شمس معارفه الربانية ، وتكميل نفسه بالفضائل والمناقب ، اجتهد جاهداً في ترويج
الدين والعقيدة ، فكان والده آية الله المقدس الميرزا موسى قدس سره الشريف ،
مرجعاً لغالب بلاد العرب والعجم في إيران وآذربيجان والخليج العربي والعراق وغيرها
من البلدان
.
زهده :
أما زهده فحدث ولا حرج ، اتفق عليه المخالف
والمؤالف ، من العامة والخاصة ، فزهده في الدنيا ، كان من الأمور الذاتية في
شخصيته ، منذ طفولته وصباه ، فكان شديد الحرص في إنفاق ما يملك من استحقاق ،
وإهدائه ، في سبيل الله تعالى ، وترويج المذهب ، وإسعاف الفقراء والمساكين .
حتى أنه لما أهدي إليه بيت في طهران أسكن فيه
فترة السادة المحتاجين ، ولما رأى عدم الانتظام في السكن ، أوقفه مركزاً إسلامياً
، لجميع أنواع المعارف والآداب ، وأسماه بيت الزهراء عليها السلام .
وأيضاً أهدي إليه بيت في الكويت في الدسمة ،
أوقفه لإمام المسجد الذي يصلي فيه ، حتى أنه بعد وفاته لا يملكه ولا ورثته .
وهكذا إلى آخر عمره سكن في شقة ، تتكون من غرفتين
في الدور الثالث ، في حوزة النورين النيرين أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما
السلام ، وهي أيضاً وقف للحوزة ولخدمة المؤمنين .
أما ملابسه فكانت لا تتعدى الاثنين ، صايتان ،
وبشتان ، وعمامتان ، إذا توسخت إحداهما لبس الأخرى .
فلما توفي لم يورث صفراء ولا بيضاء من الدراهم
والدنانير ، بل خلف عمامة وبشتاً وصاية وعصاه .
إخلاصه وتوكله على الله تعالى :
يحتل الإخلاص والتوكل على الله ، في قلبه المبارك
النوراني مساحة كبيرة ، حتى أن جل أعماله الظاهرية والباطنية ، وسر نجاحها بسبب
الإخلاص لله تعالى والتوكل عليه في السر والعلن .
فجميع ما قدم ويقدم طيلة حياته المباركة ،
وبقاؤها بعد عمره الشريف ، موكول إلى هذين السببين التوكل والإخلاص في العمل .
لذا تتميز أعماله المباركة في شرق الأرض وغربها ،
بالإتقان ، والاحتلال في الأماكن المرموقة ، والذكر الجميل لمؤسسها .
فتتسم جميع أعماله المباركة بالروحانية ، والبروز
عن أقرانها من مشاريع الخير .
فما نجد مؤسسة ، أو حسينية ، أو مسجداً ، أو
مركزاً ، إلا وتكون هي الأفضل في الموقع الجغرافي ، والخدمة للمؤمنين ، وتعلوها
الهيبة الملفتة للنظر ، أينما كانت في بقاع الأرض .
وهذا الأمر ظاهر ومعروف ، فمن أراد الاطلاع ،
فعليه بمراجعة ومشاهدة أعماله في بقاع الأرض :
- هاك
الحسينية الجعفرية في الكويت ، التي تعتبر من أفخم وأطرز الحسينيات في
الكويت ، من حيث الشكل ، ومن حيث الموقع ، تقع في قلب الكويت ، وتقدر الأرض
بملايين الدنانير الكويتية .
- وكذلك
مركز الإحقاقي في الدعية في الكويت أيضاً أفضل المراكز هيئة ، وأفضلهم
موقعاً ، وأكثرهم خدمة للمؤمنين في قلب الكويت .
- وكذلك
الحسينية الفاطمية الإحسائية في سوريا (السيدة زينب عليها أفضل الصلاة
والسلام) ، فهي من أول الحسينيات الحديثة ، وأفضل الجميع في الطراز والموقع
أيضاً ، وفيها ضيافة إطعام كل ليلة جمعة .
- وكذلك
الحسينية السجادية الكويتية في مشهد الرضا عليه السلام في إيران من
أفضل الحسينيات موقعاً وهيئة وخدمة ، فيها كل ليلة جمعة ضيافة .
- وكذلك
في لوس أنجلس في أمريكا ، مسجد أمير المؤمنين عليه السلام ، كانت
كنيسة للنصارى ، فاشتراها وحولها من معبد النصارى ، إلى معبد المسلمين ،
ومنبر لفضائل المعصومين عليهم السلام .
- وكذلك
جامع الإمام الصادق عليه السلام في بيروت لبنان ، من أفضل المساجد
الشيعية في البلاد كلها ، في الهيئة والموقع .
وكم وكم من خبايا في زوايا ، في جميع أصقاع
العالم من هذه الأعمال .
فكون هذه الأعمال الشاقة والنائية تحملها وهو ابن
الثمانين إلى المائة من عمره المبارك ، مع قلة العدد والناصر – رضوان الله عليه –
، ولكن خلوص نيته ، وتوكله على الله تعالى ، هو الذي عبد الطريق ، وسهل الصعب ،
وأبقى الدائر
.
فكان – رضوان الله عليه – أمة برجل ورجل بأمة ،
فكان كثيراً ما يوصيني بالتوكل على الله تعالى ، والإخلاص ، وبغض الدنيا ، وترك
الحسد ، والحقد والرياسة ، وحب الجاه ، ويأمر بفضائل الأخلاق ، وترك رذائلها ، لما
يرى في ذلك من الكمال الحقيقي والإنسان الكامل .