بقلم الشيخ عبد الجليل الأمير
بسم الله الرحمن الرحيم
نسبه وتولده :
هو العالم العارف الفيلسوف الحكيم الشيخ أحمد بن
زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم آل صقر الأحسائي.
تولد سنة ١١٦٦ هـ في السادس والعشرين من شهر رجب
المرجب في قرية من قرى الإحساء تدعى بالمطيرفي تقع في شمال مدينة الإحساء، تكثر
فيها النخيل والأشجار والمياه، وتوجد فيها عين تسمى بعين المطيرفي حارة شتاءاً
باردة صيفاً، كما أنه تجلب من قرية المطيرفي أجود تمور الإحساء المسمى بالخلاص،
فهي قرية مباركة محبوبة عند أهل المحلة، كما أنه يوجد فيها مسجد للشيخ أحمد
الأحسائي وإلى الآن موجود يتردد عليه المؤمنون بالصلاة والدعاء.
حياته الذاتية :
كان الشيخ أحمد الأحسائي أعلى الله مقامه منذ
صغره معرضاً عن الدنيا وزخرفها، مقبلاً إلى الآخرة ونعيمها، فلم يزل على هذه
الحالة من الذكر والفكر في الآفاق والأنفس، سالكاً سبيل ربه ذللاً، حتى خوطب بخطاب
﴿ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ (1).
لأن العلم المتحصل عند الإنسان نوعان هما :
الأول: العلم اللدني: وهو ما
يحصل بالتقوى والورع، والعمل بما يعلم، من تكليف الحق قال تعالى : ﴿ وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ (2) أي الذي يتقي الله تعالى بحيث يمتثل بما
يأمر ويجتنب عما ينهى عنه الله تعالى يلهمه العلم ويقذف في قلبه علماً بلا تعلم،
كما قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام: { ليس العلم بالتعلم، وإنما هو نور يقع
في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه } (3).
الثاني: العلم الكسبي : وهو ما
يحصل بالتعلم من علوم اللغة والمنطق، والفقه، والحساب، والطبيعيات، وغيرها من
العلوم، فبقدر ما يتعلم يعلم، فالعالم من هذا النوع مثال جهاز الكمبيوتر، بقدر ما
يخزن فيه من معلومات بقدر ما يعطي.
فالشيخ أحمد أعلى الله مقامه هو من السالكين سبل
الرب ذللاً، كما أتفق على ذلك، من قبل علماء عصره، وأفذاذ نوعه، كما قال عنه
الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الأصبهاني في روضات الجنات : { لم يعهد في
هذه الأواخر مثله في المعرفة والفهم، والمكرمة والحزم وجودة السليقة، وحسن الطريقة
(1) سورة البقرة، الآية ۲۸۲.
(2) سورة البقرة، الآية ۲۸۲.
(3) بحار الأنوار ج ١ ، ص ٢٢٥.
وصفاء الحقيقة، وكثرة المعنوية، والعلم بالعربية
والأخلاق السنية، والشيم المرضية، والحكم العلمية والعملية وحسن التعبير والفصاحة
ولطف التقرير والملاحة وخلوص المحبة والوداد، لأهل بيت الرسول الأمجاد، بحيث يرمى
عند بعض أهل الظاهر من علمائنا بالإفراط والغلو، مع أنه لا شك من أهل الجلالة
والعلو } (1).
فالشيخ رضوان الله عليه لما كان من أول عمره كثير
الفكر والذكر، كما قال هو عن نفسه لابنه:
{ واعلم أني كنت في أول عمري كثير التدبر والنظر في
العالم …. فتوجهت إلى إصلاح النية والعمل والإنقطاع بالقلب إلى الله وإلى ما
يرضيه لا غير، لم يكن مقصودي غير رضى الله، فلما استمر بي الحال على هذه الطريقة
انفتح لي باب المنام بأنواع العجائب …. فرأيت ذات ليلة في الطيف الحسن بن علي بن
أبي طالب، وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر عليهم السلام …. فقلت له :
يا سيدي أخبرني بشيء إذا قرأته رأيتكم فقال لي
شعراً
:
كن عن أمورك معرضا … وكل الأمور إلى القضا
فلربما اتسع المضيق … ولربما ضاق الفضا
ولرب أمر متعب … لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء … فلا تكن متعرضا
ولقد فتح لي أشياء ما أعرف أصفها للناس وكل ذلك
من التخلق بمعنى تلك الأبيات المتقدمة. فأنت وفقك الله إذا أردت شيئاً اقبل على
الله على النحو الذي أمر به الشارع وتفهم قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي
أَذْكُرْكُمْ﴾ (2). وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (3) والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته } (4).
فإذا تم الشرط وهو التقوى حصل المشروط وهو العلم
اللدني كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (5).
(1) روضات الجنات ج ۱ ، ص ۸۹.
(2) سورة البقرة، الآية ١٥٢.
(3) سورة التوبة، الآية ٦٧.
(4) سيرة الشيخ أحمد الأحسائي.
(5) سورة البقرة، الآية ۲۸۲.
فالشيخ حينما يتحدث عن نفسه ليس هو من باب إظهار
الأنا، والتفاخر، بل من باب البيان والإرشاد، والتعليم، ورفع التهم عن نفسه، لأن
رفع التهمة واجب على كل مكلف إذا قدر. كما قال نبي الله يوسف على نبينا وآله وعليه
السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (1).
فزكى نفسه بقوله إني حفيظ عليم في مقام يقتضي
التزكية، لمصالح كثيرة.
فتزكية النفس مذمومة إلا في بيان إثبات حق، أو
إزهاق باطل، فحينئذ تجب مع القدرة، ومثال ذلك ما لو اتهم شخص بالفاحشة فإنه يجب
عليه رفع التهمة مع القدرة فتحدث الشيخ عن نفسه إنما ذلك من باب الإرشاد، ورفع
التهمة، والتحدث بنعمة الرب، لأنه قد قيل في حقه بأنه رجل عامي، غير دارس مغالي في
أهل البيت عليهم السلام.
بل أخذ يقرأ من هنا ومن هناك حتى فرض نفسه عند
العلماء بل قيل بكفره والعياذ بالله.
فتحدث عن نفسه ليرفع التهمة، والإشتباهات الموجهة
إليه، لذا له بعض الرسائل التي تبين عقيدته بأنه من الفرقة الناجية من الإمامية
الإثني عشرية.
وخير وثيقة تثبت دعواه بأنه على الطريقة الحقة،
والصراط المستقيم هذا الكتاب المسمى بحياة النفس، فإنه قد أبان عقيدته في التوحيد
والعدل والنبوة والإمامة، والمعاد الجسماني، كما هو مبين واضح في المتن إلا من
كانت عنده شبهة من تقليد أعمى والعياذ بالله.
فهنا نحتاج أولاً إلى رفع الشبهة ثم توضيح
المطلب، وبعدها يصح للمعترض الحكم بالخطأ أو الصواب.
فالشيخ أحمد الأحسائي هو من العلماء الفلاسفة،
الذين تكلموا عن الوجود، ومتعلقاته، وغير ذلك، فيمكن في حقه الصواب والخطأ، وأما
قوله أعلى الله مقامه : { وأنا لما لم أسلك طريقهم، وأخذت تحقيقات ما علمت عن أئمة
الهدى عليهم السلام، لم يتطرق على كلماتي الخطأ، لأني ما أثبت في كتبي فهو عنهم،
وهم عليهم السلام معصومون عن الخطأ، والغفلة والزلل، ومن أخذ عنهم لا يخطئ من حيث
هو تابع، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾
(2) }
(3).
فهو من باب تطبيق القواعد المعصومة على الأمور
الخارجية، وذلك مثال قانون علم الحساب في الجمع والطرح، والضرب والقسمة، فإنه كلما
طبق إنسان هذه القوانين، لم يتطرق على حسابه الخطأ، وكل من خالف يتطرق عليه الخطأ.
لأنه إذا جوزنا الخطأ في التابع من حيث هو تابع
جوزنا الخطأ في المتبوع والعياذ بالله لأن المتبوع هو الشرع المقدس الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
(1) سورة يوسف، الآية ٥٥.
(2) سورة سبأ، الآية ١٨.
(3) شرح الفوائد.
حياته العلمية :
عرف الشيخ أحمد الأحسائي بتفننه في أغلب العلوم
العلمية والأدبية، والفلكية، والطبيعية، والأوفاق، والطلاسم والعلوم الغريبة، من
علم الحرف والإكسير، والرمل وغيرها.
فله كتب عديدة، ورسائل نفيسة في مختلف العلوم،
فأشهرها كتاب شرح الزيارة الجامعة، وكتاب الفوائد مع شرحه اختصر فيه آراءه
ومتبنياته الفكرية والفلسفية في التوحيد والحكمة المتعالية، وكتاب جوامع الكلم يضم
بين دفتيه رسائل جمة، ونكات لطيفة، هنيئاً لمن حصل عليه واستفاد من ربيعه الفتان،
وخضرته الجذابة، وكتاب الكشكول وكتاب شرح المشاعر وشرح العرشية للملا صدرا
الشيرازي، وله مخطوطات غير مطبوعة فكتبه ومصنفاته تنوف على المائة مؤلف من مطبوع
ومخطوط.
فلا غرو أن نقول في حق هذا الشيخ الجليل أنه قد
أحاط بأغلب العلوم التي كانت في عصره، كما قال المحقق الثقة المحدث الشيخ عباس
القمي عن ابن سينا أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري، الشيخ الفيلسوف
المعروف الملقب بالشيخ الرئيس المتوفى بهمذان سنة ٤٢٧ أو ٤٢٨ هـ قال ابن سينا
متحدثاً عن نفسه : { لما بلغت التمييز سلمني أبي إلى معلم القرآن، ثم إلى معلم
الأدب، فكان كل شيء قرأ الصبيان على الأديب أحفظها، والذي كلفني أستاذي كتاب
الصفات، وغريب المصنف، ثم أدب الكاتب، ثم إصلاح المنطق، ثم كتاب العين، ثم شعر
الحماسة، ثم ديوان ابن الرومي، ثم تصريف المازني، ثم نحو سيبويه فحفظت تلك الكتب
في سنة ونصف سنة، ولولا تعويق الأستاذ لحفظتها بدون ذلك، وهذا مع حفظي وظائف
الصبيان في المكتب، فلما بلغت عشر سنين كان في بخارى يتعجبون مني، ثم شرعت في
الفقه، فلما بلغت اثنتي عشرة سنة كنت أفتي في بخارى على مذهب أبي حنيفة، ثم شرعت
في علم الطب، وصنفت القانون وأنا ابن ست عشرة سنة، فمرض نوح بن منصور الساماني،
فجمعوا الأطباء لمعالجته فجمعوني معهم، فرأوا معالجتي خيراً من معالجاتهم فصلح على
يدي، فسألته أن يوصي خازن كتبه أن يعيرني كل كتاب طلبت ففعل، فرأيت في خزانته كتب
الحكمة من تصانيف أبي نصر فارابي طرخان الفارابي فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلاً
ونهاراً حتى حصلتها، فلما انتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكر في نفسي ما كان شيء
من العلوم أني لا أعرفه } (1).
وقال أيضاً عن المولى الملا صدرا الشيرازي { كان
عالم أهل زمانه في الحكمة متقناً لجميع الفنون كما قال صاحب السلافة } (2).
فلم يعترض أحد على الشيخ عباس القمي ولا على غيره
حيث ادعى بأن الملا صدرا متقن لجميع الفنون، ولم يقل أحد على ابن سينا حيث قال : {
فلما أنتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكر في نفسي ما كان شيء من العلوم أني لا
أعرفه }.
(1) الكنى والألقاب ج ۱ ، ص ۳۲۰.
(2) الكنى والألقاب ج ۲ ، ص ٤١٠.
ولكن إذا قيل في حق الشيخ أحمد الأحسائي، بأنه
متقن لجميع الفنون قالوا هذا مغالاة، وإفراط، كما اعترض أحد الكتاب المعاصرين على
السيد كاظم الرشتي حينما قال في حق أستاذه الشيخ أحمد ما نصه من دليل المتحيرين :
{ واطلع على جوامع العلوم، وأحاط بكليات الرسوم، بالتوجه إلى الحي القيوم، ببركة
الإمام المعصوم }.
فما معنى باؤك تجر وبائي لا تجر، تلك إذاً قسمة
ضيزى، ما لكم كيف تحكمون.
ثانياً ما المانع من أن يعطي الله تبارك وتعالى
أحد أوليائه منحاً وعلوماً وكرماً، بسبب التقوى والعبادة.
فهل هذا بدع من الكتاب أو السنة ؟ أم هذا طائفية
وتعصب جاهلي ؟.
فالقرآن مصرح بأنه قد أعطى الكثير الكثير من
الأولياء والصالحين الذين لم يكونوا أنبياء ولا أوصياء. وذلك مثال
الخضر عليه السلام وهو عبد من عباد الله الصالحين فقد أوتي علماً، ورحمة من الحق
تعالى، بل تعلم منه نبي الله موسى عليه السلام من علوم آل بيت محمد عليهم السلام،
كما في تفسير القمي وغيره، وذكر مصابهم وما يجري عليهم، ومقامهم النوراني. وقد
صرح الحق تعالى في كتابه بهذه القصة مفصلاً قال تعالى : ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ
عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا
عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ
تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ (1). فوجدا
يعني (نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه السلام مع وصيه يوشع بن نون) عبداً هو
الخضر عليه السلام. وأيضاً ذو القرنين عليه السلام إنه أوتي من كل
شيء سبباً أي دليلاً وأعطي مشارق الأرض ومغاربها قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ
ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا
لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾
(2).
وقال تعالى متحدثاً عن ذي القرنين وما أوتي من
القوة والقدرة: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (3). وأوتي أيضاً لقمان الحكمة.
وأمثال الأولياء، والصالحين، كثير جداً مثل سلمان
وأبي ذر ورشيد الهجري، وجابر بن يزيد الجعفي، الذين ظهرت على أيديهم الكرامات
وخوارق العادات وكل هؤلاء لم يحضروا درس الرسائل والكفاية ومكاسب الشيخ الأنصاري
وغيرها من كتب السطوح الفقهية، والأصولية، والفلسفية وغيرها، بل تربوا وتخلقوا
بأخلاق الله تعالى، وأخلاق الأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام، فأفاض عليهم الباري
تعالى من كرمه، ومنه المطلق. فالشيخ أحمد الأحسائي، وغير الأحسائي ممن سبق أو
لحق، فلا غرابة أن تكون عندهم علوم جمة، ومناقب عالية بتمسكهم بآل الرسول عليهم
السلام، فالله تعالى يقول، ويعد ووعده الحق ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ
اللَّهُ﴾ (4) بالعلم اللدني.
(1) سورة الكهف، الآية ٦٥ – ٦٨.
(2) سورة الكهف، الآية ٨٣ – ٨٥.
(3) سورة الكهف، الآية ٩٦.
(4) سورة البقرة، الآية ۲۸۲.
فالعلم الحقيقي نور يقذفه الله في قلب من يحب،
فالعلم في الحقيقة دراية لا رواية.
فإطلاق لفظ العالم في الكتاب والسنة، إنما يراد
به العالم بالله وأوليائه عليهم السلام، المحتذى حذوهم حذو القذة بالقذة، والنعل
بالنعل، لذا قال تعالى : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (1).
فحصر الخشية للعلماء خاصة، وأما غير العلماء فلا
يخشون الله، وإن أطلق عليهم الغير بأنهم علماء.
فالخشية تحصل بالمعرفة بالله تعالى، وبآثاره،
وبمعرفة الطرق والسبل الموصلة إليه تعالى، وأكبر آية، وأعظم سبيل هم محمد وآل محمد
عليهم السلام.
خطبه :
فله خطب عدة، تدل على حسن بيانه ونظم كلامه
وإحاطته بعلوم اللغة ومعانيها، فمن خطبه المشابهة لخطب ساداته ومواليه محمد وآله
الطاهرين عليهم السلام في الوعظ والإرشاد، والبيان والبلاغة، هذه الخطبة وهي :
الحمد لله الذي فتق السمك، ومد السلك، ونظم
الأكوان في فوار متعاظم الإمكان، ودور الفلك، وزين الحبك، وشق المكان في تيار
متلاطم الزمان، وفتق الأجواء، ومد الأضواء، بنور النفس، وخلق منه الشمس، وجعلها
سراجاً منيراً في الأعيان، وقيضها آية في النهار ليبتغوا من فضله وهو الكريم
المنان، وخلق من ضيائه القمر، آية في الليل، ومحى آيته ليسكنوا فيه من حركات التعب
والامتهان، وخلق منها النجوم، وجعلها زينة ورجوماً لمن استرق السمع من كل شيطان،
وحمل حركات دوائر الأفلاك على كواهل الأملاك، لتقدير ما يكون وتسيير ما كان، وجعل
ثقل البحار والأرضين والقرار على تخوم قطب سكون المكان، وأودع رقائق الخلائق في
طرائق أطوار الأعيان، وأبرز غرايب العجايب بترتيب مراتب الإتقان، وتعرف لكل شيء
بلا عيان، فسبحان من هو كل يوم في شأن، وأشهد أنه الله الذي ظهر وجوده بموجودية
الموجودات، وبرز علمه بمعلومية المعلومات، وعرفت صفاته بحدوث صفات المحدثات، فمنه
بدء كل شيء، وبه قوام كل شيء، وله ملك كل شيء، وإليه مرد كل شيء، فبيده ملكوت كل
شيء، وإليه ترجعون، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله أرسله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فحمل أثقال الرسالة، وشيد قواعد
الدلالة، وعادى في طاعة ربه الأقربين، ووالى الأبعدين، وجاهد في سبيل الله
المدبرين، وبالغ في الأداء، وحض على الرضا، وعبد الله مخلصاً حتى أتاه اليقين،
فصلى الله عليه وآله الطيبين ومحبيهم الأنجبين إلى يوم الدين.
(1) سورة فاطر، الآية ۲۸.
عباد الله؛ أوصيكم ونفسي العاصية بتقوى الله،
فيما يعلمه منكم واتباع أوامره فيما دعاكم فيه واجتناب نواهيه فيما حذركم عنه،
واغتنموا فرصة المهلة وانتبهوا من سنة الغفلة، فإن العمر قصير، والأمر خطير،
والدنيا دار الغرور اتصفت بالبلايا والشرور، قال أمير المؤمنين عليه السلام : (
الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم والعلم كله حجة إلا ما عمل به، والعمل كله رياء
إلا ما كان مخلصاً، والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له ) (1).
عباد الله؛ إن الدنيا دار قد رضي الله لأهلها
الفناء، وقدر عليهم بها الجلاء، فكل ما فيها نافذ، وكل من يسكنها بائد، وهي مع ذلك
حلوة خضرة رائقة نضرة قد زينت للطالب، ولاطت بقلب الراغب، يطيبها الطامع، ويحتويها
الوجل الخائف، دار بالفناء محفوفة، وبالغدر معروفة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم
نزالها، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والأمان مصروم، وإنما
أهلها فيها أغراض ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها، بينما المرء في غفلته، إذ عرضت
له أسباب رحلته، فيصبح بعد صحته وهو سقيم فيهجم عليه الموت وهو مليم فيقبض روحه
بين صديقه والحميم، فينقل من دار أنفق عمره في عمارتها، إلى دار قد خربها، دار
الوحشة، والغربة والوحدة بين الأحجار والتراب تنهشه الديدان، والدواب، فلو كشفتم
التراب عنه في مدة قليلة، لرأيتم منه حالة مهولة عينه سائلة على خديه وكفه منخلعة
من يديه، وعنقه منخلعة، وأوصاله متقطعة، وفراشه بعد التنعم الأحجار وهي مع التراب
دثار، وهذا البيت المظلم أول منزل له من منازل الآخرة، فإن كان سعيداً، فروح له
عند خروج روحه وريحان له في قبره وجنة نعيم، معدة له، وإن كان شقياً فنزل في قبره
من حميم، يسقى منه، أتدرون ما الحميم ؟ هو ماء يجتمع من صديد جلود أهل النار وفروج
الزناة. قال صلى الله عليه وآله لو أهريقت دلو واحد في الدنيا لمات أهل الدنيا من
نتنها، وتصلية جحيم في الآخرة، إن هذا لهو حق اليقين، وقد قال في كتابه: ﴿قُلْ
هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (2).
(1) بحار الأنوار ج ۲ ، ص ۲۹ ، ب ۹.
(2) سورة ص، الآية ٦٧ – ٦٨.
فرحم الله من استعد لفقره يوم التلاق، فإن
المضمار اليوم، وغداً السباق، فإن السبقة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب من
خطيئته قبل هجوم منيته، أو لا عامل لنفسه قبل يوم فقره وبؤسه، جعلنا الله وإياكم
ممن يخافه ويرجو ثوابه.
ألا وإن هذا اليوم يوم عظيم البركة، رفيع المكانة
عند الله، يستجاب فيه الدعاء، ويغفر فيه الذنوب، ويضاعف فيه الأعمال، ويبلغ فيه
الآمال، فاذكروا الله يذكركم وكبروه وسبحوه، ومجدوه، وادعوه يستجب لكم، وتوبوا
إليه يقبلكم وأدوا فرائضه وامروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر
والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، عصمنا الله وإياكم بالتقوى وجعل الآخرة
خيراً لنا ولكم من هذه الدنيا.
إن أبلغ الموعظة، وخير الكلام كلام الله العظيم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ
قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ
جَمْعاً * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ
لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا
بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ
بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (1).
واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم،
والحمد لله رب العالمين (2).
(1) سورة العاديات الآية ، ۱ – ۱۱.
(2) جوامع الكلم ج ۲ ، ص ۲۸۷.
شعره :
فالشيخ أحمد مع أنه عالم فيلسوف، وخطيب مصقع،
كذلك هو شاعر مجيد، مفوه بارع، فإذا قرأت شعره كأنك تقرأ شعر امرئ القيس، أو
الفرزدق أو أمثالهم من أرباب الشعر، وأدباء العصر، فأكثر شعره في الإمام الحسين
عليه السلام.
حيث قال في رثاء الإمام الحسين عليه السلام (1):
نعى النعي مصاب الهاشمييا … كأن عاشور بالأحزان
يعنينا
الله رزء جليل لا يرى أبداً … إلا لتقطيع أكباد
المحبينا
هذا العلو الكبير الخطب موقعه … تدبروا سورة
الإسراء تالينا
ياللرجال عجيب ذا المصاب أما … نرى لنا مسعداً
بالنوح محزونا
يالهف نفسي لمولاي الحسين وقد … أضحى فريداً وحيداً
بين عادينا
كل حريص على إتلافه فلذا … أبدوا من الحقد ما
قد كان مدفونا
وقال أيضاً في رثاء الإمام الحسين عليه السلام (2):
نفحات من ربى نجد بردى … وجدي بردى وجدي
وانفحي في الروح ما ينعشني … وانفحي بالروح جدي
جدي
واعهدي ري عهاد هطلت … بل لبي وأراني عهدي
واخبري أهل اللوى ما فعلوا … والحمى والمنحنى
من بعدي
قطنوا في ربعهم أم طعنوا … فعسى يهدي إليهم
نجدي
ليت شعري إذ مضوا هل علموا … إنهم دون البرايا
قصدي
فارقوني لا لتقصيرهم … بل لذنبي وقصور الجد
قتلوه ظامئاً بل قطعوا … رأسه منه بماضي الهند
وحسين شلوه قد كسروا … ظهره القوم بركض الجرد
(1) جوامع الكلم ج ۲، ص ۲۸۷.
(2) جوامع الكلم ج ۲، ص ۲۸۸.
وقال أيضاً في رثاء الإمام الحسين عليه السلام (1):
دمعي على طلل الأحباب مطلول … وفيه بالي أبلته
البلابيل
فكم ترسمتها فوق الرواسم أو … بين الرسوم بها
والدمع مسبول
وقفت فيها أجيل الفكر جائلتي … فحانني في مرامي
رسمها الجول
رسم صموت ونفس غير خافية … فسائل صامت عنها
ومسؤول
سحب الحيا هاطلات من عطائهم … إليهم مدت الأيدي
للمحاصيل
فراحتا الدهر من فضفاض جودهم … مملؤتان وما
للفيض تعطيل
تجلو ممادحهم إن جل قادحهم … فهم على الضر
والسرا مناهيل
إن نلتم منهم ما لا يحل لكم … فذا إليهم بحكم
الله معدول
وكان ذلك من أشراط ملكهم … وقطع دابركم ما فيه
تعذيل
هذا وطالب أوتار لهم وزر … مؤمل وهو مضطر
وموكول
نظار يا معشر الفجار غاشية … يقوم بالإذن حيث
العضب مسلول
في سنجق خلفه نسر وتقدمه … مسومون وجبريل
وميكائيل
وفيه تابوت نصر الله يحمله … المردفون الغرانيق
الهراجيل
عليه من مدد الجبار خافقة … جال ومنسدل الأطراف
معمول
يذيقكم ضعف أنواع العذاب كذا … خسفاً وترميكم
الطير الأبابيل
فثم أشفي جوى صدري وموعدكم … صبح قريب ووقت فيه
مبتول
يا آل أحمد لي من أجل رزئكم … قلب خنوق ودمع
منه مهمول
لأن بدئي وعودي منكم ولكم … والوجه في ذلك
معقول ومنقول
فأحمد نجل زين الدين عبدكم … على المحبة مخلوق
ومجبول
كونوا لنا ولمن نهوى كما رسخت … لنا عليكم
لبانات وتعويل
عليكم صلوات الله واصبة … ما ناطق فاه حتى ينفذ
القيل
وعمكم منه تسليم وتزكية … ورحمة ثم رضوان
وتفضيل
(1) جوامع الكلم ج ۲، ص ۲۸۹.
وقال أيضاً في رثاء الإمام الحسين عليه السلام (1):
أتزهو وقد ترنو بياض المفارق … وقد مر مسود
الشباب المفارق
أجدك في اللهو الذي أنت خائض … وداعي الفنا
يدعوك في كل شارق
تضاحكك الأيام في نيلك المنى … كفعل نصوح
للدعابة وامق
وما بسطت آمالها لك عن رضى … ولا ضحكت سناً إلى
كل عاشق
أولاده :
له من الأولاد ثلاثة وكلهم علماء حلماء، قادة
مصلحون:
- أولهم:
الشيخ علي نقي.
- الثاني:
الشيخ محمد تقي.
- الثالث:
الشيخ عبد الله.
(1) جوامع الكلم ج ۲ ، ص ۲۹۰.
كراماته :
رجل كهذا لا عجب ولا غرابة أن يكون محط عناية
الله تعالى، ومظهر آياته وأفعاله، من ظهور خوارق للعادة على يديه.
فمما حكي من كراماته، أنه كان ذات يوم من الأيام
سائراً مع تلامذته في الطريق، إذ مروا بقبيلة من القبائل العربية، وكانت هذه
القبيلة عادية على الناس بالنهب والسلب والقتل، والضرب، فعندما قاربت قافلة الشيخ
أحمد مع أصحابه إلى تلك القبيلة، أخبر أحد أصحابه الشيخ بأن هذه القبيلة صفتها كذا
وكذا.
قال الشيخ: لا عليكم إذا قاربناها يكون خيراً إن
شاء الله تعالى. فعندما شارفوا القبيلة، قال الشيخ لأحد أصحابه خذ هذا الكتاب
واعطه أي رجل تراه منهم. فأخذ الكتاب فواجه رجلاً من القبيلة فسلمه الكتاب ثم رجع
الرجل إلى الشيخ. وبعدها أمر الشيخ بالعبور على القبيلة. قال له أصحابه وتلامذته
يا شيخ إنهم يسلبون وينهبون، قال: لا عليكم إنهم نيام فامتثلوا أمر الشيخ وإذا كما
أخبر مروا عليهم، وهم نيام بأجمعهم.
ويحكى أيضاً من كراماته أنه كان في قافلته طباخ
أعوزه الدهن فقال للشيخ أنه لا يوجد عندنا دهن، والطريق بعيد، فنحتاج إلى كمية من
الدهن يكفي هذه القافلة.
فأعطاه الشيخ دهناً قليلاً وبعد استخدامه الدهن
عدة أيام وأسابيع لم ينقص من الدهن شيء، فتعجب الطباخ من أمر الدهن القليل، كيف
بقي ولم ينفد ؟ فذهب إلى الشيخ وأخبره بأمر الدهن فقال له: لو سكت كان أفضل، لولا
كلامك لبقي عندنا الدهن إلى ما شاء الله تعالى.
ومن أشهر كراماته عندنا في الإحساء، وغيرها أنه
ما يُفقد شيء من الأشياء، ويقرأ سورة الفاتحة إلى الشيخ أحمد الأحسائي، إلا ويظهر
ذلك الشيء المفقود، وهذا أمر مجرب عند الجميع، فمن شك فليجرب.
فكراماته كثيرة جداً، مروية من ثقات علماء. لكن
اختصرنا على محل الحاجة فالله تعالى أكرم من عبده. قال تعالى:
﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (1) والعاقبة للمتقين.
وفاته :
إنه بعدما حصل الشقاق والنفاق من أهل العراق بينه
وبينهم من التشهير به، وتكفيره، وإخراجه من الفرقة المحقة، رأى مكوثه في العراق
فتنة كبيرة حينئذ عزم على الهجرة إلى الله تعالى إلى بيت الله الحرام، قاصداً
الحج، كما قصد الإمام الحسين عليه السلام الحج، وفي أثناء طريقه أتته رسل ربه، إلى
روح وريحان إلى من يحبه ويواليه محمد وآله الطيبين الطاهرين سنة ١٢٤١ هـ ودفن عند
الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في البقيع.
وقد شوهد على قبره مكتوب:
لزين الدين أحمد نور علم … يضيء به القلوب
المدلهمه
يريد الحاسدون ليطفئوه … ويأبى الله إلا أن
يتمه
(1) سورة الكهف الآية ٣٠.